مقالات

أ.د. لطفي منصور التَّعْريفُ بِكِتابِ “بَلاغاتُ النِّساءِ” لِطَيْفُور:

مُؤلِّفُ الْكِتابِ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طاهِرٍ
وَاسمُ أبي طاهِرِ طَيْفورُ الْخُراسانِيُّ. أَصْلُهُ مِنْ مَرْوِ الرُّوذ عاصِمَةُ خُراسان في بِلادِ فارِس، وُلِدَ في بَغْدادَ سَنَةَ (٢٠٤ هج) وَماتَ فيها سَنَةَ (٢٨٠ هج).
كانَ مُعَلِّمَ صِبْيَةٍ في الْكُتّابِ، وَكانَ يَجْلِسُ في سُوقِ الْوَرّاقين وَيَقْرَأُ الْكُتُبَ، كَما كانَ يَفْعَلُ الْجاحِظُ، حَتَّى نَبَغَ، وَأصْبَحَ مِنَ الشُّعَراءِ الْبُلَغاءِ، وَانْتَقَلَ إلى التَّأْلِيفِ وَالْكِتابَةِ، وَذَكَرَ لَهُ ابْنُ النَّدِيمِ صاحِبُ “الْفِهْرِسْت”(ت ٣٨٤ هج) خَمْسينَ كِتابًا، فُقِدَتْ مُعْظَمُها، وفي مَكْتَبَتِي مِنْها كِتابان: هذا الكِتابُ الَّذي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وكِتابُ “تاريخ بغداد” بِمُجَلَّدٍ واحِدٍ.
قالَ طَيْفورُ في مُقَدِّمَةِ الْكِتابِ:
“هذا كِتابُ “بَلاغاتُ النِّساءِ”، وَجَواباتُهُنَّ، وَطَرائِفُ كَلامِهِنَّ، وَمُلَحُ نَوادِرِهِنَّ، وَأخْبارُ ذَواتِ الرَّأْيِ مِنْهُنَّ، عَلَى حَسَبِ ما بَلَغَتْهُ الطّاقَةُ، وَاقْتَضَتْهُ الرِّوايَةُ، وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ النِّهايَةُ، مَعَ ما جَمَعْنا مِنْ أَشْعارِهِنَّ في كُلِّ فَنٍّ مِمّا وَجَدْناهُ يُجاوِزُ كَثيرًا مِنْ بَلاغاتِ الرِّجالِ الْمُحْسِنِينَ، وَالشُّعَراءِ الْمُخْتارَيْنِ”.

أذْكُرُ هُنا أَمْثِلَةً نَثْرِيَّةً وَأُخْرَى شِعْرِيَّةً. وَأَسٍتَهِلُّ هذا بِبَلاغَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنينَ عائِشَةَ وَفَصاحَتِها، فَهيَ خِرِّيجَةِ الْمَدْرَسَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، عَلَى صاحِبٍها أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ:
عَنْ هِشامٍ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر بنِ الْعَوّام قالَ:
بَلَغَ عائِشَةَ أَنَّ ناسًا نالُوا مِنْ أَبي بَكْرٍ والِدِها، فَبَعَثَتْ إلى جَماعَةٍ مِنْهُمْ فَعَذَلَتْ وَقَرَّعَتْ (عَذَلَتْ: لأ امَتْ، قَرَّعَتْ: عَنَّفَتْ) ثُمَّ قالَتْ: “أبِي ما أَبَيَّهْ، لا تَعْطُوهُ الْأَيْدِي (لا تَصِلُ إلَيْهِ) ذاكَ وَاللَّهِ حِصْنٌ مُنِيفٌٌ، وَظِلٌّ مَدِيدٌ، أَنْجَحَ إذْ أَكْذَبْتُمًُ (الهمزةُ في الفِعْلَيْنِ أنْجَحَ وَأَكْذَبَ لِلتَّعْدِيَةِ، والمفْعُولُ في الحالَتَيْنٍ مُضْمَرٌ، وَتَعْني فيهٍما دَعْوَةَ النَّبِيِّ عليهِ السَّلامُ) وَسَبَقَ إذْ وَنَيْتُمْ (سَبَقَ في نُصْرَةِ الْإسْلامِ إذْ ضَعِفْتُمْ) سَبْقَ الْجَوادِ إذا اسْتَوْلَى عَلَى الْأمَدِ (الْغايَةُ أوْ قَصَبَ السَّبْقِ)، فَتَى قُرَيْشٍ ناشِئًا، وَكَهْفُها كَهْلًا، يَريشُ مُمْلَقَها (يَرِيشُ: يَكْسُو، الُمُمْلَقُ: الْفَقِيرُ مِنَ الْإمْلاقِ)، وَيَفُكُّ عانِيَها (الْعاني: الْأَسير)، وَيَرْأَبُ صَدْعَها(يُصْلِحُ شَقَّها)، وَيَلُمُّ شَعَثَها(يَجْمَعُ شَمْلَها وَتَفَرُّقَها)، حَتَّى أَحَلَّتْهُ قُلوبَها، واسْتَشْرَى في دِينِهِ(اسْتَشْرَى: قَوِيَ)، فَما بَرِحَتْ شَكيمَتُهُ (إباؤُهُ وَأَنَفَتُهُ في ذاتِ الللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى اتَّخَذَ بِفِنائِهِ مَسْجِدًا يُحْيِي فِيهِ ما أماتَ الْمُبْطِلُونَ (وَاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِمُ يَعْمَهُونَ) “البقرة آية ١٥”.
– كَلامُ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيِّ بنْ أَبِي طالِبٍ عَلَيْهِ وَعَلَيْها السَّلامُ:
رَوَى طَيْفورُ: لَمّا كانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذي كانَ، اِنْصَرَفَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ – لَعَنَهُ اللَّهُ – بِالنِّسْوَةِ وَالْبَقٍيَّةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَجَّهَهُنَّ إلى ابْنِ زِيادٍ، فَوَجَّهَهُنَّ هذا إلى يَزِيدَ. فَلَمّا مَثَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ أَمَرَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُبْرِزَ في طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُثُ ثَناياهْ بِقَضِيبٍ في يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ شِعْرِ ابْنِ الزِّبِعْرَى عِنْدَما غَلَبَ مُشْرِكُو مَكَّةَ.
فَقالَتْ زَيْنَبُ لِيَزِيدَ:
“صَدَقَ اللََهُ وَرَسولُهُ يا يَزِيدْ (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الًَّذينَ أَساؤوا السُّوءَى أنْ كَذَّبوا بِآياتِ اللَّهِ وكانوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ) أَظَنَنْتَ يا يَزيدُ أنَّهُ حِينَ أُخِذَ عَلَيْنا بِأَطْرافِ الْأَرْضِ وَأَكْنافِ السَّماءِ، فَأَصْبَحْنا نُساقُ كَما يُساقُ الْأَسارَى أَنَّ بِما هَوانًا عَلَى اللَّهِ، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرامَةٌ، وَأَنَّ هَذا لِعَظِيمِ خَطَرِكَ، فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، وَنَظَرْتَ في عِطْفَيْكَ جَذْلانَ فَرِحًا، حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيا وَالْأُمورَ مُتَّسٍقَةً لَكَ.
أَمِنَ الْعَدْلِ يا ابْنَ الطُّلَقاءِ (عِنْدَما قالَ الرَّسول يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: اذْهَبوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقاءِ) تَخْديرَكَ نِساءَكَ وَإماءَكَ (وَضْعُهُنَّ في الْخُدورِ) وَسَوْقُكَ بناتِ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ هَتَكْتَ سُتورَهُنَّ، وَأَصْحَلْتَ أصْواتَهُنَّ (سَبَّبْتَ لَهُنّ الْبَحَّةَ) مُكْتَئِباتٍ تَخْدِي بِهِنَّ الْأَباعِرُ ، وَيَحْدِي بِهِنَّ الْأَعادي مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وَلَيْسَ مَعَهُنَّ وَلِيٌّ مِنْ أَقارٍبِهِنَّ.
– ذَكَرَ طَيْفورُ في كِتابِهِ جُمْلَةً رائِقَةً مِنْ أشْعارِ النِّساءِ في أغْراضٍ مُتَنَوِّعَةٍ، كَالْمَديحِ والهجاء
والرِّثاءِ والحماسَةِ ووالْغَزَلِ ، وَكُلُّها أشْعارٌ مُنتَقاةٌ تُضاهي أَشْعارَ الْفُحولِ مِنَ الرِِّجالِ . لا توجَدُ قَصائِدُ مِنَ الطِّوالِ ، وِإنّما هِيَ قَصائِدُ قَصيرَةْ وَمُقَطَّعاتٌ جَعَلَها في الْقِسْمِ الثّاني مِنَ الْكِتابِ.
سَوْفَ أغْتَرِفُ حَفْنَةّ طَفيفَةً مِنْ هَذِهِ الْمُخْتارات.
قالَتْ الْخَنْساءُ بِنْتُ التَّيَّحانِ تَتَشَوَّقُ إلى زَوْجِها في الشّامِ: الطَّويل
وَإنَّ لَنا بِالشّامِ لَوْ نَسْتَطِيعُهُ
خَليلًا لَنا يا تَيَّحانُ مُصافِيا
نَعُدُّ لَهُ الْأَيّامَ مِنْ حُبِّ ذِكْرِهِ
وَنُحْصِي لَهُ يا تَيَّحانُ اللَّيالِيا
فَلَيْتَ الْمَطايا قَدْ رَفَعْنَكَ مُصْعِدًا
تَجوبُ بَأَيْديها الْحُزُونَ الْفَيرفِيا
(فاعِلُ تَجوبُ ضَميرُ المطايا، الْحُزون جَمْعُ حَزْنٍ وهو ما غَلُظَ مِنَ الْأرضِ. الفيافي جَمْعُ فِيفَةٍ وهي الصَّحْراءُ القاحِلَةُ)
وَقالَتْ أعْرابِيَّةٌ: الطَّويل
أيا رَبُّ لا تَجْعَلْ شَبابي وَبَهْجَتِي
 لِشَيْخٍ يُعَنِّينِي وَلا لِغُلامِ
فَخُبِّرْتُ أنَّ الشَّيْخَ يُكْرَهُ ريحُهْ
وَفي بَعْضِ أَخْلاقِ الْغُلامِ عُرامُ
(عُرام: طَيْشٌ وَنَزَقٌ)
وَلَكِنْ لِعَبّاسٍ نَتا لَحْمُ زورِهِ
فَروحْ لِأَوْراكِ النِّساء حامِ
(العبّاسُ: الْأَسَدُ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ، الْأَوْراكُ جَمْعُ الوِرْكِ وَهُوَ الرِّدْفُ، أيْ حامٍ للعِرضِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق