الرئيسيةمقالات

نابلس… مدينة العيش المشترك بقلم:أ.د.حنا عيسى/ أمين عام الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات

 

 

 

 

 

تعتبر مدينة نابلس مثالاُ جميلاً ونموذجا رائعاً للتعايشج والتسامح بين الاديان، وتشكل معلما بارزاً من معالم الوحدة بين ابناء الشعب الواحد، فالتعايش بين الأديان في فلسطين عامة ومدينة نابلس خاصةً يصلح كمثال واقعي على امكانية التعايش بين الاديان، ولا سيما انها تنفرد دون غيرها من المدن الفلسطينية بأبناء الديانات الثلاث الاسلام والمسيحية والسامرية.

فمدينة نابلس نموذجًا حيًّا للتسامح والتعايش بين الأديان، حيث يسكن المسلمون والمسيحيون أحياء عدة بجانب بعضهم، ويشاركون بعضهم الأفراح والأتراح. في المدينة الجامع يعانق الكنيسة، وأصوات قرع أجراس الكنائس تلتحم وصوت القرآن والأذان، كما أن زينة الأعياد المسيحية والإسلامية تعلق في بيوت المسلمين والمسيحيين.

ففي نابلس أصبح الشاب “خليل الكوع” نموذجاً حياً على روعة التعايش وجماله، فالشاب فلسطيني مسيحي الديانة وهو أول من ينزل إلى شوارع نابلس مع أصدقائه في رمضان لتعليق زينة شهر الصيام. وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم صراعات على خلفيات طائفية ودينية، يعيش المسلمون والمسيحيون والسامريون في نابلس جنبا إلى جنب.

وفي ليلة الميلاد تتزين نابلس بأبهى الزينة واجملها محتفلةً مسلمين ومسيحيين وسامريين بميلاد يسوع له المجد، حيث تقرع أجراس الكنائس وتصدح طبول الفرق الموسيقية والكشفية عاليا في سماء المدينة، مقدمة صورةً رائعةً للعالم أجمع.

ولقد تميز التعايش الإسلامي المسيحي في فلسطين بعلاقة تاريخية منذ مئات السنين كان أولها صدور العهدة العمرية لتكون وثيقة احترام ومحبة بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين، التي صدرت في السنة الخامسة عشر هجريا سنة 636 م، مسجلةً مستقبلاَ زاهراً بالاخوة والمحبة والتعايش بين المسلمين والمسيحيين في سائر مدن فلسطين.

ووحدة المجتمع الفلسطيني بجميع مكوناته الإسلامية والمسيحية كان على مر التاريخ بفعل العيش المشترك والفعل الحضاري الواحد، فخبرة الماضي بين المسيحيين والمسلمين أدت إلى الإنصهار في بوتقة واحدة هي الحضارة العربية مع احتفاظ كل منهم بأصالته الدينية وخصوصيات تقاليده.

ويشكل التراث الحضاري المشترك ضماناً لاستمرارية التفاعل الذي يواجه مستجدات لابد من استعابها، وإمكانات لا بد من بلورتها وتحديات لا بد من مواجهتها وهذا كله يفتح الأبواب واسعة أمام مستقبل هذه الخبرة بكل حيويتها وأصالتها. فالتلاقي المسيحي الإسلامي ظهر في الماضي على المستويين الثقافي والشعبي، أظهر تعاون رجال العلم المسيحيون والمسلمون وعملهم جنباً إلى جنب لإرساء أركان حضارة مشتركة تحولت في ما بعد إلى منارة للإنسانية طيلة عصور كثيرة متعاقبة كجانب ثقافي، واستمر هذا التعاون على مدى الأجيال، وظهر بنوع خاص في العصور الحديثة، وهذا إرث نفتخر ونعتز به لأنه مرجع من مراجع تأصلنا واصالتنا وغنى عيشنا المشترك.

وعلى المستوى الشعبي فقد اندمج المسيحيون والمسلمون في مجتمع واحد يتقاسمون فيه العيش والملح ويقف الواحد منهم إلى جانب الآخر في السراء والضراء في ظل قيم مشتركة وأنماط جيدة خاصة تجمعهم وتوحدهم.

والأوضاع الراهنة في القدس ومنطقة الشرق الأوسط تدعونا إلى الإيمان بأن اللقاء والتفاعل المسيحي الإسلامي هو واجب علينا لخدمة الإنسان في منطقتنا وخصوصاً في العمل معاً لغرس مفاهيم مشتركة لدى الشباب كالمحبة والرحمة والأيمان القويم في مواجهة الآفات التي تتعرض لها مجتمعاتنا مع العولمة وتداعياتها.

والحوار المسيحي والإسلامي يفترض أن المسيحية و الإسلام طرفاً واحداً، ويعتبر كل جانب أن الجانب الآخر مساوياً له وألا يسعى لإلغائه، وان يطلب المسلم من المسيحي عدم المساومة على دينية المسيحي كشرط للتعايش، لان الإسلام عندما دخل للمنطقة لم يطلب من المسيحي أن يعدل عن عقيدته حتى يتناسب مع الدين الجديد وأن حوار الطرف الواحد لا يلغ الاختلاف. والمسيحية والإسلام كطرف واحد في المنطقة تقف ضد التطرف والإرهاب وتؤمن بالمحبة والسلام وترفض فكرة الخوف من الآخر، لذا، ما ينظم العلاقة بين الديانتين المسيحية والإسلام في الشرق الأوسط وبالأخص في فلسطين هو العروبة على اعتبار هذا المفهوم حي ومتطور ومستمر من واقع العيش للديانتين الإسلام والمسيحية كأرقى نموذج للتعايش المشترك عرفه العالم.

وتنبع متانة العلاقة الأخوية بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين على قدسية الروابط التاريخية والحضارية والإنسانية المبنية على أسس الإخوة الجامعة والمانعة لأبناء الشعب الفلسطيني بمسلمية ومسيحية، والتعايش الأخوي المتين وعمق أواصر العلاقة التبادلية على مدار التاريخ و التشابه بالعادات والتقاليد والنمط التاريخي المشترك التسامح الديني وبمفهوميه الخاص والعام. وعلى ارض الرسالات السماوية إلى البشر، على ارض فلسطين ولد الشعب الفلسطيني، لا انفصام فيه ولا انقطاع بين الشعب والأرض والتاريخ.

إن العيش المشترك بيننا على مدى قرون طويلة يشكل خبرة أساسية لا عودة عنها، والأرضية الصلبة التي نبني عليها عملنا المشترك حاضرا ومستقبلا في سبيل مجتمع متساو ومتكافى لا يشعر فيه احد انه غريب أو منبوذ، إن المسيحيين والمسلمين في الشرق ينتمون إلى حوض حضاري واحد وهو الحوض السامي الذي بقي بالرغم من تنوع تعبيراته اللغوية قاسماً مشتركاً أكيداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 − 5 =

إغلاق