مقالات
إقرأ. تدبّر. إجتهد رؤية * هذه السلسلة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية – سلسلة مكونة من ثلاثة مقالات حول عيد الفطر تحت عنوان: * عيد الفطر: بهجة الطاعة، صلة الأرحام، وثبات القيم في زمن التحديات
عيد الفطر: فرحة الطاعة وروحانية الختام (1)

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد :
يحل عيد الفطر بعد شهرٍ من الصيام والقيام، فيكون عيدًا للفرح، لكنه ليس كأي فرح، بل هو فرحٌ مغموسٌ بروحانية الطاعة ونقاء القلب، إن العيد في الإسلام ليس مجرد احتفال بانتهاء الصوم، وإنما هو محطة تعبدية أخرى تتويجًا لرحلة روحية عظيمة، حيث تمتزج الفرحة بشكر الله على التوفيق في العبادة، وتتجلى روحانية الختام في مظاهر التسامح والتكافل وصلة الأرحام.
* فرحة الطاعة: سر البهجة الحقيقية
الفرح في العيد ليس وليد الزينة والمظاهر فحسب، وإنما هو ثمرة الطاعة والامتثال لأمر الله، فالمسلم يفرح لأنه أتمَّ عبادة الصيام، التي قال عنها النبي ﷺ: “لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ” (رواه مسلم). إنها فرحة المؤمن حين يشعر بأنه أطاع الله وصبر على الجوع والعطش، وسجد لياليه خاشعًا، فتكون الفرحة نتيجة طبيعية لهذا الإنجاز الروحي،
كما أن فرحة العيد ليست فردية، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، حيث يُفرض على المسلمين إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، تطهيرًا للصائم من اللغو والرفث، وإغناءً للفقراء عن السؤال، ليشعر الجميع ببهجة العيد دون حرمان أو شعورٍ بالنقص.
* روحانية الختام: حين يُختتم الموسم برحمة الله
إن نهاية رمضان ليست مجرد انتهاءٍ للأيام المباركة، بل هي بابٌ من أبواب الرجاء والروحانية العميقة، فالمؤمن يرجو أن يكون ممن كُتبت لهم المغفرة، مستذكرًا قول النبي ﷺ: “مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبِهِ” (متفق عليه).
– ولذلك، يحرص المسلم على أن يكون يوم العيد امتدادًا لما عاشه في رمضان من معانٍ إيمانية، فلا يقطعه عن العبادة، بل يبدأه بصلاة العيد، وهي شعيرة جامعة توحد المسلمين في مظهرٍ من ملامح العبودية الخالصة لله، كما تتجلى روحانية الختام في استشعار فضل الله ونعمه، والتوبة الصادقة، وعقد النية على الثبات بعد رمضان.
* مظاهر العيد بين الفرح والعبادة
إن الفرح بالعيد لا يتعارض مع استمرارية العبادة، بل هو فرحٌ مشروعٌ ومطلوب، يظهر ذلك في تكبيرات العيد التي تلهج بها الألسن، وتذكّر المسلم بعظمة الله وشكره على التوفيق، وفي لباس العيد الذي يعكس فرحة القلوب، وفي لقاءات الأهل والأحباب التي تعزز أواصر المحبة.
– ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون العيد مناسبة للغفلة والانشغال بمظاهر مادية فارغة تذهب بجوهره، فالحكمة من العيد أن يكون محطة لشكر الله، واستمرارًا للنهج الإيماني، وليس قطيعةً له، لذا كان من سنن السلف أن يبدأوا يوم العيد بسجدة شكر، وأن يرددوا التكبير بقلوبٍ مفعمة بالإيمان.
* عيدٌ بروحٍ جديدة
إن أعظم ما في عيد الفطر أنه يمنح المسلم فرصة للبدء بروحٍ جديدة، فهو أشبه بتجديد العهد مع الله، وفرصة لصفاء النفس، والتصالح مع الذات والآخرين، فليكن العيد يوم فرحٍ نقي، نملأه بالرحمة والعطاء، ونحفظ فيه طهارة القلوب التي ربَّاها رمضان، هكذا يكون العيد حقًا فرحة للطاعة، وتجليًا لروحانية الختام، وفتحًا لبابٍ جديد من الإقبال على الله.
* عيد الفطر بين فرحة العبادة وتحديات الواقع
يأتي عيد الفطر محمّلًا بالفرح والروحانية، لكنه في واقع أبناء شعبنا يمتزج بمشاعر متباينة، حيث تتقاطع فرحة الطاعة مع هموم الواقع وتحديات الحياة. ففي ظل الظروف الصعبة، يظل العيد فرصةً لتجديد الأمل، وتعزيز صلة الأرحام، وتأكيد قيم التكاتف والتراحم التي ترسّخها تعاليم ديننا. وبينما يحرص المسلم على إظهار البهجة، يبقى العيد رسالة صمود، تعلّمنا أن الفرح عبادة، وأن الاحتفاء بالعيد هو تأكيدٌ على قوة الروح رغم التحديات.
* تقبل الله منا ومنكم الطاعات وفرّج الله عن أهلنا وإخواننا المسلمين في كل مكان
* مقالة رقم: (1916)
* 30. رمضان . 1446 هـ
* الأحد. 30.03.2025م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صُهيب)