مقالات

عادات أسرية افتقدناها

إبراهيم الجريدي

لابدّ أن الكثير منا قد عاصر تلك الحقبة حين كان جميع أفراد الأسرة يجتمعون على مائدة الطعام وقت وجبة الغداء، وينتظرون بفارغ الصبر قدوم رب الأسرة للبدء في أكل ما لذّ وطاب من الوجبات التي أعدتها أمهاتنا وأخواتنا في لقاء أسري يومي متجدد يجمع شمل العائلة بعد تشتتها في ساحات العمل وأفنية المدارس، واليوم للأسف بالكاد تجتمع العائلة على وجبة الغداء كالسابق، كأنما أحدهم أو شيء ما التهمها، ومن هنا يفرض نفسه هذا السؤال: من التهم الوجبة؟

الوجبات الغذائية من أهم المناسبات الاجتماعية التي يجتمع فيها الناس سويًا، فالاجتماع على مائدة الطعام يعدّ نوعًا وثيقًا من الترابط الاجتماعي على مستوى العالم بأسره ومن خلاله يتمّ تجاوز الاختلافات الثقافية والعقائدية والطبقية المُشاركة في وجبات الطعام تعني أن تتقاسم المجموعة طعامها مع أفراد من خارجها ومن خلال ذلك يصبح الشخص جزءًا من المجموعة، وليس هذا فقط فإن التجمع للأكل يعدّ مناسبة للتعارف والنقاش وتبادل الخبرات وردّ الجميل، فهذا الحبيب يدعو حبيبته للخروج والأكل سويًا، وذاك الصديق يدعو صديقه على وجبته المفضلة امتنانًا منه لخدمة أسداها له، ويدعو رجل الأعمال شريكه لمناقشة الصفقات على غذاء عمل. إن الطعام يحمل هُوية الشخص الثقافية الذي عادة ما تكون مرتبطة بمشاعر وذكريات كونها مذاق هذا الأكل ورائحته عندما أكلها لأوّل مرّة، فعلى هذا النحو تكون الدعوة إلى الطعام ليست مجرد إشباع رغبة أو تقاسم اللقمة بل تتعداه لتعبر عن إهداء جزء من لحظات جميلة ارتبطت بذاكرة ونشأة الداعي على مستوى الأسرة، كان يعد اللقاء على وجبة الغداء واحدة من أهم المناسبات التي يتم فيها مناقشة جميع الأحداث اليومية وتبادل الأخبار في جو هادئ بعيد عن العراك والمنافسة في بيئة العمل، فبعد غيابه لعدة ساعات في معركته اليومية لتأمين لقمة العيش يعود ربّ الأسرة ليجد تلك الوجبة التي يشتهيها، فتستقبله أولًا، رائحتها لتخلع عنه إرهاق جسده فيجلس مرتخيًا ليستمتع بمذاقها الذي يحمله إلى حالة من الاتزان والنشوة والتي ترتبط بشكل مباشر بشريكته التي أعدتها كجزء أصيل من غريزتها الأمومية في تأمين أشهى وأفضل الطعام للأبناء حيث تتحمل مسؤوليتهم في عرينها، تلك المسؤولية القديمة جدًا والتي حملتها معها المرأة آلاف السنين منذ نشأة البشرية إلى يومنا هذا.
واليوم وللأسف فقد أوشك التجمع العائلي حول مائدة الوجبات اليومية على الاختفاء وخصوصًا وجبة الغداء ويرجع ذلك لعدة تغيرات طرأت بشكل عام على نمط الاستهلاك الغذائي منها الانتقال من الأرياف والبادية إلى المدينة ما أضعف الروابط الاجتماعية، فسمات حياة المدينة تضعف التواصل بين الأفراد، والفصل بين مكان العيش والعمل وزيادة ساعات العمل أجبر العاملين على التنازل عن هذه الوجبة..

#إبراهيم_الجريري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق