ثقافه وفكر حر

خوان بيورو و”محاضرة في المطر” محمود بري

رواية "محاضرة في المطر " للكاتب خوان بيورو

المطر عند الكاتب عطر السماء، وفي كل قطرة منه حكاية شهية وعبقٌ حياة. يهطل فيغسل رداءة العمر ويرسم حكايات لا تُحكى، ينثرها على زجاج النوافذ وعلى إسفلت الطرقات..

الرواية: محاضرة في المطر 

تأليف: خوان بيورو 

ترجمة مارك جمال 

مراجعة: محمود بري

الناشر: “منشورات تكوين” – الكويت – 2022  |

“خوان بيورو” روائي وقاص وصحافي من أفضل الأصوات الأدبية المعاصرة في أميركا اللاتينية. يمثل مع خورخي بولبي، أنجليس ماستريتا، ودانيال سادا، طليعة كُتّاب الرواية الحديثة في المكسيك والعالم اللاتيني.

هو من طليعة الجيل الجديد من الكُتاب المكسيكيين الذين خرجوا من بلادهم للدراسة في الخارج، وعادوا بعد عدة أعوام مُزوّدين بأحلام روائية جديدة.

بيورو مثلهم لكنه مختلف. وهنا فرادته.

ولد في العام 1956، عمِل مدرساً في الجامعة الوطنية بالمكسيك “أونام”، وأستاذاً زائراً في جامعات مختلفة مثل يال وبرينستون وستانفورد في الولايات المتحدة الأميركية، وبومبو فابرا في برشلونة ــ إسبانيا، وكذلك في مؤسسة الصحافة الجديدة التي أسسها غابريل غارسيا ماركيز.

كما أنه كاتب عمود في جريدة “ريفورما” المكسيكية، وراسل وسائل إعلام دولية مثل “نيويورك تايمز”، “الباييس” (إسبانيا)، “الميركوريو” (تشيلي)، كما شغل منصب رئيس تحرير مجلة (لا خورنادا) الأسبوعية.

روايته “محاضرة في المطر” من روائع الأدب المكسيكي التي فتحت لها سبيلاً إلى العالم الواسع، كتبها مُحمَّلة بكثير من الخواطر العميقة والطابع الشيّق، تتداعى فيها الأفكار بجاذبية لا تُجارى وسلاسة استثنائية.

المطر عنده عطر السماء، وفي كل قطرة منه حكاية شهية وعبقٌ حياة. يهطل فيغسل رداءة العمر ويرسم حكايات لا تُحكى، ينثرها على زجاج النوافذ وعلى إسفلت الطرقات، لذلك لا يمكن الاحتفاظ بها في الكتب وعلى رفوف المكتبات. فهي حكايا عابرة، لكنها تبعث الحياة وتبشّر التراب بحنين الأقحوان. المطر عند بيورو كالدموع، صادق ونقيّ، وكلاهما قادم من الأعماق. المطر مصدر إلهامه الأول.

الرواية وموضوعها

ليست الرواية شعراً ولا نثراً، وليست مسرحاً ولا من نوع المونولوغ ولا هي تأمّلٌ فلسفيٌ ولا نظريات في الوقائع والأحداث؛ هي كلّ هذا وليست أيّاً من هذا وذاك على حدٍّ سواء. وكيفما وصفناها وحاولنا رسم ملامحها، نكون مُحقّين ومُخطئين في آنٍ معاً. فالكاتب يُمسك بتلابيب الإبداع ويحمل القارئ في مركب أوهام مُختارة وساحرة، فلا تُجافي واقع الحياة ولا تختلف عن يوميات الناس. لكنه يقدّمها بطرق فريدة.

روايته تشبه موضوعها إلى حدّ التماهي. تحمل طعم الحياة وعذوبة المطر وقداسة  الماء، بل هي الماء والحياة والمطر بكل ما في ذلك من التباسات وتملّصات ومراوغات. تقدّم المطر ببساطته وتلقائيته، بتسكينه الآلام وبكونه مُسبّبًا للآلام. نهرب منه ونبحث عنه، نستظلّ من قطراته ونعيش فيه وبه ومنه. نبتعد عن بلله، لكنه لا يبتعد عنّا لأنه قائم فينا ولا نعلم ماهيته. كأنه لغز الحياة، بل لكأنه الحياة التي نرتادها ولا نعلم عنها إلا ما يزيد مساحة تساؤلاتنا عنها. نهرب فيها.. وفيها نعيش.

ولا غرابة في هذه السردية المتأنّقة، فالكاتب في رواياته وقصصه ومقالاته والأحداث التي قام بتسجيلها في روايته، عمل على تطوير نثر لا يُمكن الخلط بينه وبين غيره من أنواع النثر، فتميّز وفاز بعدد كبير من الجوائز الأدبية الرفيعة والمهمة في المكسيك وإسبانيا. ومنحه ملك إسبانيا الجائزة الوطنية للصحافة واعتبر روايته “محاضرة في المطر” في طليعة أهم ما جاد به الأدب في أميركا اللاتينية.

يختزن الكاتب بين دفّتي روايته شكلاً مبتكراً من روائع الأدب يتميّز بدفق هائل من الصور البيانية التي جرت صياغتها بطابع مشوّق وغير مسبوق. أراد الكاتب أن يجعل من الرواية حديثاً مباشراً فجاءت اعترافاً صادقاً وحميمياً تحرَّر فيه من القيود كما يفعل الشاعر بتحرره من ثقل الواقع، معتمداً على مركب الكتابة التي يعتبرها “أفضل ما في ذاته”، ومُحلِّقاً بجناحي الأدب الذي يراه “ذلك المكان حيث ينهمر المطر”،  وبالحب وهو “ذلك المترجم كثير الهواجس”، حيث العالَم “القائم على قيد الوجود، لا يصير موجوداً حتى يصير كتاباً”.

تتيح الرواية قراءة تحليلية رائعة ضمن حقل من نصوص تفتح الآفاق،   وهي جديرة بالقراءة. تنطوي فصولها على نسيج رائع من الرومانسية وكمٍّ هائلٍ من الصور والخيالات العذبة في قصة رائعة مكتوبة بالماء. هي نمط فريد من الأدب المرتبط بتجربة ذاتية. تتحرك بخطى ثابتة وتسلسل مقنع وكثير من الشعر والهَوَس النبيل.

أمين المكتبة

التنوّع الثقافي لدى الكاتب، مع الوفرة في خبراته وتنوع الأجناس الأدبية التي مارسها باجتهاد، منحه القدرة على الغوص في المجتمع المكسيكي وسكانه، مستفيداً من اطلاعه عن كثب على العلاقات القائمة بين الثقافتين الأميركية والأوروبية، فضلاً عن تبحّره الواعي بالثقافات اللاتينية. بهذه المعرفة دخل في عالم من ماء، صعب وغارق في الغموض، فنسج من كل ذلك رواية جذابة انفرد خلالها بتطوير باهر لنمط الكتابة، ما رفعه إلى مصاف البارزين في عالم الرواية في كلٍ من المكسيك وإسبانيا والعالم.

ما تقوله صفحات الرواية هو محاولة مُحاضِر ليس في الحقيقة أكثر من مجرّد أمين مكتبة من ذلك النوع من المجتهدين الهادئين الصامتين بين رفوف الكتب. ومن على كرسيّه العتيق ينصرف إلى تقديم محاضرة عن المطر. لكن الكاتب يتصرّف “كمحاضر نسي أوراق نصّه الذي سيلقيه، أو كأنه تناساها، أو لعله لم يُحضّر أوراقاً البتّة”.

المطر حاضر برغم غيابه

يبدأ روايته بالمطر ويختتمها بالمطر. إلا أن مضمونها ليس عن المطر، أو ليس تماماً عنه، على الرغم من أن المطر يبقى حاضراً برغم غيابه، وربما بفعل هذا الغياب. وفي غمرة هذه الإلتباسات المتداخلة والجذّابة، يبوح أمين المكتبة ببعضٍ من مجريات حياته في عالم مطير، فيتحدث عن  ذكرياته وكتبه وحبيباته، عن تأمّلاته وعن أصدقائه، عن الوقت الذي عاشه  والوقت الذي لم يعِشه، والوقت الذي تمنّى لو عاشه.

الرواية هي إذن عن المطر، وليست عن المطر في الوقت ذاته. المطر هو الضيف الغائب الذي نستشعر حضوره بين السطور، فيبللنا ويغمرنا. هو الحاضِر لأن مكانه حاضر، ووقعه  حاضر، وذكراه حاضرة، وهو الغائب لأنه مجرّد مطر بكل بساطة، يهطل ويذهب فلا يمكن الإمساك به.

أحد الأسئلة المُضنية التي يطرحها الكاتب من  خلال روايته، تتركز على هذا الغائب الحاضر، فيضعنا أمام التساؤل الأساس: ما الماء إذن في النهاية؟… تسأل سمكة ساذجة تتلوّى في أشداق زبد البحر! أيّ سرّ دافئ ينطوي عليه هذا العالم الذي من ماء…! أي التباس يكون…! أليس هو ما نعيشه ونلمسه، ما يكون حقيقياً وجوهرياً، وخفياً وواضحاً في آنٍ معاً، يكون حولنا وفينا ولا نكون من دونه. نلمسه ولا ندركه، نتلمسه فيتملّص منّا؟؟ هو  الحياة إذن… نعيشها ولا نملكها. نمشي في ثناياها، وليست لنا… لكننا لا نستطيع الخلاص منها ولا ومنه.

وهذا نوع من الالتباس يعشقه المتذوّقون للإبداع، باعتباره، بقدر ما هو جذّاب وآسر، فإنه يرسم بدقة المسافة المستحيلة بين عبثية الكتابة وجمالها؛ وفي اللحظة التي تعتقد أنك قبضت على المعنى، تجده يتملّص منك، كما حبّات المطر على كتفيّ المسافة. يكتب “بيورو” عن موضوع بعينه، فتكون الكتابة نسبية والموضوع نسبياً والفهم نسبياً والنتيجة نسبية، والمسافة نسبية، إذ هي قريبة وبعيدة في آنٍ معاً: نقبض على المعنى ولا تمسك به، تماماً كما يحصل مع الكاتب… المبلل.

الكتاب يعجّ بالاقتباسات التي تُخفي وتُفصِح على حدٍّ سواء. فالكاتب يعمل بنظام قصصي ماهر، معتمداً نمطاً من النثر الواضح والمُكثف، من دون التخلّي عن حيادية صارمة، وروح شعرية آسرة، يغتني كاتبها بقائمة كبيرة ومتنوعة من المصادر. وفي بعض الأحيان تتجلّى موهبته المتنوعة لتتوافق مع تباين متناغم وخصب يبعث على الدهشة والإعجاب. ومن هنا تنبع جمالية النصّ.

الحرج المُشوِّق

يضع الكاتب كل من يقرأ الرواية في عالم مشوّقٍ من الحرج، إذ كيف لك  أن تعبّر عمّا يتعسّر التعبير عنه. ربما يشي أمامنا بتعريف الفن، إن كان له تعريف: “أن ننقل ما لا يُنقَل، أن نعبِّر عمّا لا يُعبَّر عنه، أن نكتب ما لا يُكتَب”. لعلّنا نعرِف الشيء ونُعَرِّفه بما نحسّه؛ لكن كيف للمرء أن يعبّر عمّا يحسه في حين أن الحواسّ قاصرة بطبيعتها…!

على مدار الصفحات الغنية للرواية يواصل الكاتب إغراقه في استخدام المجازات المتداعية والمنسّقة بإتقان ومن دون ابتذال. ومن خلال طرح تعريفات قد تبدو إشكالية للوهلة الأولى، نجدها تعود لتتجلّى بشيء من المنطق المغمّس بالواقعية مع مضيّ الكلام والصفحات. يحملنا النص إلى عالم من الخرافة المعيوشة ليبدو لنا فعلاً  أن “المطر يتساقط أفضل في المخيّلة”.

لكن الأمر بمجمله يأخذنا إلى الحيرة… إذ كيف لنا أن نقبض على المطر، كيف لنا أن نقرأه وأن نحاضر فيه؟ فالماء عصيّ على القبضة، تمسك به فينثال من بين الأصابع… لمواجهة هذه الإشكالية يلجأ أمين المكتبة إلى المخيّلة بذكرياتها وأحلامها والفرص التي كانت سانحة والفرص التي فوّتها. فالذكريات تخاوي الماء بقدر ما تماثله وتختلف عنه، يمكنه أن يشعر بها لكنه يعجز عن الإمساك بتلابيبها. فهي مثل الماء، واضحة وخفية في آنٍ، تعيشها من دون أن تنجح في إدراك كنهها… لذا فإننا حين نتحدث (نحاضر) عن المطر، نكون مُصيبين ومُخطئين في آنٍ معاً. هذا هو الماء. هذا هو المطر. نعيشه ولا ندركه. يغمرنا ويراوغنا، فلا نستطيع فكاكاً منه بقدر ما نعجز عن القبض عليه ولا التخلّص منه.

التعبير عمّا يستحيل قوله

“محاضرة عن المطر” هو حكاية صادقة عن الكتب والأدب والحب، وعلاقة كل ذلك بلغة الشعراء، يقدّمها الكاتب بسرد مشوق، فيستدعي ذكرياته ليحكي حكايا قصيرة ذات معنى. برغم يقينك أن الألم سيحضر في السياق، أو أنه في طريقه إلى الظهور، إلا أنك ستتقبله، كما تقبله المُحاضر أمين المكتبة.

في الرواية حكايا كثيرة… إحداها عن فتاة تهرب من عرين جدها في ليلةٍ ماطرة إثر حدوث أمرٍ ما، ليجدها شابٌ في منتصف الطريق. تستنجد به فيأخذها معه. هنا يتجلّى الإشكال الأساسي الذي يضعنا الكاتب أمامه والذي يتلخص بكيفية التعبير عمّا يستحيل التعبير عنه بمعانٍ ملموسة؟…! لكن “بيورو” يتابع ويمضي فنمضي معه ضمن تسلسل الأحداث، فنظن حيناً أنه يكتب عنّا، في حين أنه يكتب عنه… بل عن المطر.

يقول المترجم جمال في مقدمته للرواية: “إنها مُحمَّلة بكثير من المتع البيانية وتتداعى فيها الأفكار كالمطر والكاتب يتنقَّل بين النقاط بسلاسة ورهافة قلّ نظيرها”.

ينجح الكاتب في بناء عمله الذي استمر في التطور من صفحة إلى الصفحة التالية. نجح في ذلك بفضل جهد بذله على امتداد ردح طويل من الزمن أنفقه في ممارسة العديد من أنواع الكتابة مثل الرواية والقصة القصيرة ومذكرات السفر والتأريخ والمقال الصحافي وكتب الأطفال. هذا التنوع والوفرة في الخبرات كان من أجمل ما نجح الكاتب في الاستعانة به، مُضيفاً إلى تنوع الأجناس الأدبية في أميركا اللاتينية، مقدرة فذّة على الغوص في المجتمع المكسيكي ودخائل سكانه، من منظور ذي طابع عالمي، فيلامس العلاقات النابضة بين الثقافتين الأميركية والأوروبية من دون التخلي عن عشقه الباهر للعالم المكسيكي الغارق في نوع من الغموض المُحبب.

وفي مرات غير قليلة، كانت المواهب المتباينة لدى الكاتب تتوافق معاً بشكل متناغم وخصب، ما اعتُبِر من أول مقوّمات نجاحه وفرادة روايته. لذا وصف نُقاد مكسيكيون كثُرٌ “خوان بيورو” بأنه ألمع أبناء الجيل الجديد من الكُتاب المكسيكيين الذين استطاعوا تخطّي حدود البلاد.

يقول “بيورو”: “في الحقيقة ليس للسعادة تاريخ. يمكن الاستمتاع بها في الحياة الحقيقية، لكنها تصبح مملة لدى تجربتها في الأدب”. ولعل هذا ليس محض خيال. فالواقع يمكنه أن يتجاوز نطاق المخيلة أحياناً.

أحد الأهداف مما يحاول الكاتب بلوغه في كتابه هو ببساطة نوع مُبتكر من مخيّلة بللها المطر. ينجح في التعبير عمّا يستحيل على غيره التعبير عنه بسرد مفهوم. ربما لأنه يكتب في ميدان المخيلة، أو إن نصّه يبدو كذلك. فما المطر، إذن، إن لم يكن نتاج مخيّلة تحاول خلق واقعها..؟  أليس أن المطر يتساقط أفضل في المخيّلة..؟

ثم: “ما الماء إذن في الحقيقة…؟”، تسأل السمكة الساذجة في نص ديفيد فوستر والاس…هذا هو الماء.

وعلى مدار الصفحات يواصل المُحاضر محاولته تلك من خلال استدعاء المجازات، مع حرص شديد على إبعاد المجاز عن الابتذال الذي طاوله بعد تسليع كلّ شيء، ومن خلال طرح تعريفات قد تبدو إشكالية للوهلة الأولى، قبل أن ندرك دقّتها مع مضيّ الكلام والصفحات.

الخاتمة:

“محاضرة في المطر” هي جنس من الفتح الأدبي المراوغ، تبدو كأنها خارج التصنيف، من كاتب مُجدّ يُدخلك في عوالم روايته بأسلوب سهل ولغة باهرة وعميقة التأثر والتأثير. روايته غريبة بمعنى أنها جديدة، تواكب روح العصر فتزداد تألقاً مع كل صفحة جديدة.

ترجمة مارك جمال جاءت جميلة ومُتقنة، بل أخّاذة. فهو لم يكتب “عن” الرواية بل كتب “فيها”، فبدت الترجمة مصقولة من جوّ النص أكثر مما هي ترجمة له.

نفهم من الرواية أن ما نراه حبّاً قد يراه غيرنا كراهية، وما نراه غضباً قد يراه آخرون لطفاً. ولكن ماذا عن تلك المشاعر والأحاسيس والأشياء الملموسة القابلة للقياس والفحص، والعصيّة على القياس في آنٍ معاً؟ كيف لنا أن نقيس القُبلة في الصباح المبكّر على سبيل المثال، أو ارتعاشة البلل تحت المطر، أو نسمة بَرْد الفجر؟

وهذا النوع من التساؤلات هو ما يفتح في الجبين حقلاً مليئاً بالرياحين

 

  • المصدر: الميادين 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق