الرئيسيةمقالاتمنظمة همسة سماء

العربية هويتي: من سلسلة محاضراتي للغة العربية :تاريخ اللغة العربية في أوروبا / الجزء الثاني

الدكتورة فاطمة ايوواصل. اغبارية

بطرس المحترم

ولد بطرس سنة ١٠٩٤ في مونبواسيير، وتوفي سنة ١١٥٦، وقد دخل الدير بناءً على رغبة والدته، فنشأ فيه حتى عُيِّن في دير كولونيا ١١٣٣ رئيسًا للرهبان، وقد شجعته غزارة علمه، وقوة إرادته على إصلاح ما أفسد الرهبان في عهده بقسوتهم وغطرستهم؛ فاشتهر اسمه بين الخاص والعام، وكان ليِّن العريكة ذا عواطف سامية حسن الخصال؛ لذلك لم يستعمل الشدة في الأمور الدينية كما كان يستعملها أسلافه، ويدل على تسامحه أنه توسط لدى البابا ذات يوم ليصفح عن ذنوب الراهب الشهير أبيلار حين اتُّهم بارتكاب جرم شنيع مع سيدة اسمها هلواز داخل الدير، ولكن البابا لم يشفق عليه حفظًا لكرامة الكنيسة، وإعلاء لشأن الدين المسيحي، وأصدر الأمر بخصيه عقابًا له.

وقد وضع بطرس مجموعة كتب، منها كتاب ضد اليهود، وكتابان ضد الإسلام، طبعت في لايبسيج سنة ١٨٩٦، وعدا ذلك ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينية، وعرضه على الجمهور بقصد الطعن فيه، واستنكار ما تحتويه آياته البينات.١
ومما تحسن الإشارة إليه أن ملوك صقلية كانوا في ذلك العهد يهتمون بآداب العرب، وكان ترتيب الديوان الملكي وتدبير شئون الحكومة الصقلية على المنوال العربي تمامًا، سيما أن الملك روجر الثاني الذي حكم في سنة ١١١٢ إلى سنة ١١٥٤ كان قد نشأ نشأة عربية بحتة، فأظهر ميلًا عظيمًا إلى المدنية الإسلامية، وشيد قصوره على النمط العربي الجميل، وأغرم بسماع الشعر العربي، وأمر الإدريسي أن يرسم تخطيطًا جغرافيًّا لا يزال محفوظًا حتى الآن، ونسج على هذا المنوال أيضًا فريدريك الثاني ملك صقلية الذي تسلم مقاليد الحكم في سنة ١١٩٤، وترى صورته في الصورة السابقة بين طائفة من علماء وأطباء العرب.

ومن الذين لهم اليد الطولى في الآداب والعلوم العربية الطبيب الفرنسوي أرمنجو وقد ترجم كتاب ابن سينا في الطب، وكتب الفلسفة للحكيم ابن رشد سنة ١٢٨٤. واشتغل أيضًا باللغة العربية الراهب الإنكليزي:
ميخائيل اسكوت

فقد طاف في بلاد العرب، ومكث مدة في توليدو بالأندلس للاستطلاع ودرس الكتب، وذاك في سنة ١٢١٧، وقد اشتهر عنه أنه كان ضليعًا في العلوم العربية، وترجم فعلًا بعض الكتب، على أن آثار ترجمته لم تظهر في المكاتب الشرقية في أوروبا.

مشاهير المستشرقين العلامة الراهب: روجر بيكن

المولود سنة ١٢١٤ في مدينة جستر بإنكلترا، والمتوفى سنة ١٢٩٣ بمدينة أكسفورد، وقد أتمَّ هذا الراهب دراسته في أكسفورد، ثم قصد إلى باريس، ونال الشهادة العليا، حيث أُنعم عليه بلقب دكتور في العلوم الدينية، وعاد ثانيًا إلى أكسفورد بعد أن نال قسطًا وافرًا من مختلف العلوم، ودخل الدير؛ حيث شرع في إلقاء المحاضرات القيمة بجامعة أكسفورد، ولم يكتفِ بالعلوم المشار إليها، بل رغب في كشف الحقائق، والإحاطة بجميع العلوم؛ فقضى وقتًا طويلًا في درس علمَي النجوم والكيميا حتى أتقنهما.

ودرس في جامعة باريس اللغات اليونانية والعبرانية والعربية، وقد أفادت مباحثه فائدة تستحق الذكر والتمجيد؛ فهو الذي اخترع العدسات (أي الميكروسكوب) وذلك على أثر اطلاعه على كتب ابن الهيثم البصري، واخترع مادة تشتعل في الماء، ونوعًا من البارود، وقد عمَّت شهرته الآفاق؛ ولذلك سموه دكتور المعجزات، ويُعلَم عنه أيضًا أنه تحامل كثيرًا على الرهبان، وطعن في سيرتهم وأخلاقهم، حتى طلب من قداسة البابا إصدار أمر بإصلاحهم وتهذيب أحوالهم؛ إذ كانوا إذ ذاك في الدرك الأسفل من الانحطاط؛ فتغيَّظ البابا من تعرُّضه لما لا يعنيه، وفصله من منصب التدريس، فضلًا عن رفض طلبه، وزجَّه في غيابة السجن، ولم ينجُ من العقاب إلا بعد أن تولى كليمانس السادس المركز البابوي السامي، وكان هذا البابا من أكبر مروِّجي آرائه، والمعجبين بسمو أفكاره.
ولأمرٍ ما قُبض عليه مرة ثانية وحُبس؛ حيث مكث في السجن مدة عشر سنين، وبعد وفاة نيقولاوس الرابع أفرج عنه، وسافر إلى مدينة أكسفورد، حيث مات فيها، وقد كان من أكبر المعارضين للوائح والنظم التي سار عليها الرهبان، واتخذوها كشريعة يستطيعون بها تبرير أعمالهم القاسية، وقد صدر كتابه مرآة الكيميا في سنة ١٥٢١ في مدينة نورنبرج بألمانيا.رايموند لل

ولد سنة ١٢٣٥ بمدينة بلما بجزيرة مايوركا، وتعلَّم في باريس اللغة العربية من عبدٍ أسود، وذلك بعد أن درسها في مايوركا مدة تسع سنوات، وحياته وآراؤه العلمية تدعو إلى الدهشة، وكان يُعتبر من مصلحي الدنيا في القرن الثالث عشر، وعاش حياةً فاحشة، حتى خمدت عاطفته نحو حبيبته الجميلة السيدة امبروزيا دل كاستيلو بعدما كشفت له عن سرها، وأخبرته بوجود مرض السرطان في ثديها، فانكسر قلبه روعًا ورأفة، واضمحلت راحته اضمحلالًا شديدًا، وتلف صفاء خاطره حزنًا وألمًا، إلى أن رأى في المنام السيد المسيح مصلوبًا يرشده إلى الطريق المقيم، والزهد في الدنيا؛ فأخذ في تحسين سيرته وأخلاقه حتى أنكر مسرات هذه الدنيا، وكرَّس حياته لخدمة يسوع المسيح. وبعد التغلُّب على صعوباتٍ لغويةٍ عظيمة في دراسة اللغة العربية سافر سنة ١٢٩١ إلى تونس، ولكنه لم يُستقبل هناك بالترحاب؛ لأن المسلمين بعد محادثاته الدينية معهم غضبوا عليه، وقبضوا عليه وسجنوه، وبعد مدة خرج من السجن وسافر إلى نابلي وروما، وبعدما وعظ في سبيل مقاصده، ونشر المؤلفات المفيدة في تهويل أفكاره، جاء إلى أفريقيا سنة ١٣٠٦ ولاقى ثانيًا كل القساوة من المسلمين الذين طردوه من بلادهم؛ فجاء إلى مدينة بيزا بإيطاليا، واجتهد هناك في تأسيس جمعية الرهبان (الفرسان)، إلا أن آماله فشلت. وعرض على البابا اقتراحًا لتأسيس المدارس لدراسة اللغات الشرقية خدمة للمبشرين المرسلين، وذلك بإنشاء مدرسة في رومية، ومدرسة في باريس، ومدرسة في توليدو، وقد أنشأ بمدينة بلما بجزيرة مايوركا مدرسة عربية لتدريس ثلاثة عشر راهبًا طريقة القديس فرانس، ووضع أيضًا بيانًا عسكريًّا مع رسومه لكي يفتح الأرض المُقدَّسة بحملة جيوش فرسان الصليب، ولما سافر إلى أفريقيا للمرة الثالثة هجم عليه المسلمون، ورجموه حتى مات، وكان ذلك في ٣٠ يونيو سنة ١٣١٥ ببلدة بوجا، وها هي صورة بوجا، ودفن في مدينة بلما بجزيرة مايوركا، وقد أراد مَن أتى بعده التحقق من كيفية موته، ففتحوا قبره سنة ١٦١١ فوجدوا جمجمة المدفون مصابة بأربعة ثقوب،٢ والذي اشتهر به أيضًا ريموند لل في سائر أوروبا فنه المسمَّى الفن الكبير الل الذي اتبعه أيضًا بعد ثلاثة قرون أطناسيوش كيرخر، واستحسنه الفيلسوف ليبنتس الألماني.

.وكان فنه هذا أنه تمكَّن أو أراد أن يتمكَّن به من حل جميع الأسئلة العلمية بواسطة بعض معاني فلسفة أرسطو، ولهذا الغرض اخترع آلة، وجعل أسلوبه باتفاقه مع القبالة الشرقية بمعاني الأعداد الغامضة الموهومة، فتبعه من جاء بعده، واستمدوا آراءه وإيمانه بتصحيح الكيميا الضالة، وهذا الفن يدلُّنا على هيرمس المثلث الحكمة أو الفن الأسود٣ الذي أراد منه المعتقدون فيه تغيير أي معدن إلى ذهب، وإطالة حياة الإنسان، وما أشبه ذلك من الأوهام. ومن أقوال القدماء أن لل لم يشتغل في تحويل المعادن إلى ذهب إلا لغرض عمل النقود اللازمة لتجهيز الحملات الصليبية ضد الإسلام، إلا أن أحد الباحثين زعم أنه لم يشتغل بالمعادن لهذا الغرض،٤ وقد أتينا أن بعض الكتب الكيماوية المنتشرة المعروفة باسم ريموند لل ليست له بل مدسوسة عليه ككتاب خلاصة تحويل المعادن أو كتابه ممارسة الكيمياء أو لوكس ميركوروم إلا أننا نرى كتاب مجموعة مؤلفات ريموند لل في فصل «فن لل الكبير» الذي أصدره سلسينجر سنة ١٧٣١ إلى سنة ١٧٤٢ في عشرة مجلدات بمدينة ماينز بألمانيا مزيَّنًا بكثير من الرسوم الغريبة مع تفاسيرها،.

يتبع…..

فرج بن سالم اليهودي،

المصادر تتبع …….

 

تاريخ دراسة اللغة العربية بأوروبا‎‎

  • صدر هذا الكتاب عام ١٩٢٠.
  • صدرت هذه النسخة عن مؤسسة هنداوي عام ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق