شعر وشعراء

موسوعة شعراء العربية المجلد السادس \ الجزء الاول شعراء العربية في الاندلس ( الشاعرمحمد بن عمار المهري ) بقلم د فالح الكيلاني

موسوعة شعراء العربية
المجلد السادس \ الجزء الاول
شعراء العربية في الاندلس
( الشاعرمحمد بن عمار المهري )
بقلم د فالح الكيلاني

هوابو بكر محمد بن عمار بن الحسين بن عمار المهري القضاعي الأندلسي الشلبي الشاعر المشهور.
ولد في قرية ( يشتبوس) من أعمال( شلب) في جدنوب غرب الاندلس عام\ 422 هـجرية- 1031ميلادية من أسرة متواضعة ترجع بنسبها الى اليمن . ثم رحل في صغره للدراسة في مدينة ( شلب) ثم ( قرطبة)، فبرع في الأدب والشعر، واتخذ من الشعر وسيلة لكسب قوته على أبواب الأمراء يتنقل بينهم إلى أن استقر ببلاط ( المعتضد بن عباد ) وهناك حاز على إعجاب الامير( المعتمد بن عباد ) وهو شاعر معروف من شعراء الاندلس. ولما ندب( المعتضد) ولده (المعتمد) لحكم (شلب ) جعل( المعتمد) من الشاعر (ابن عمار) معينًا له، وتوثقت بينهما الصلات
وفي عام\ 461 هـجرية ، عينه ( المعتمد) في بداية حكمه واليًا على( شلب) لفترة وجيزة ثم استدعاه( المعتمد) إلى (إشبيلية) واستوزره ، وكان يعهد إليه بمهام السفارات، وتنفيذ مشاريعه فكان يؤثره على خاصته ويبوح له بأسراره وقيل ان المعتمد بن عباد عينه وزيرا له لاعجابه بقوله قصيدته الرائية ومنها :
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى
والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره
لما استرد الليل منا العنبرا
والروض كالحسنا كساه نوره
وشياً وقلده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد رياضه
… خجلاً وتاه بآسهن معذرا
روض كأن النهر فيه معصم
صاف أطل على رداء أخضرا

وفي عام\ 467 هـجرية، أرسله المعتمد سفيرًا إلى بلاط (ألفونسو السادس) ملك ( قشتالة) ، لعقد حلف يدفع المعتمد بموجبه خمسين ألف دينار (لألفونسو) على أن يعاونه ألفونسو في انتزاع (غرناطة) من يد صاحبها ( عبد الله بن بلقين )، على تكون أموال( غرناطة) لألفونسو. و بدأ التنفيذ ببناء حصن بالقرب من( غرناطة ) شحنه ابن عمار بالجند ليكون قاعدة لتهديد (غرناطة). الا أن معارك المعتمد في ( قرطبة) مع بني ذي النون، اضطرته لسحب جنوده من الحصن فاحتله جنود (غرناطة ).
أشار ابن عمار على المعتمد بعدئذ بضرورة الاستيلاء على (مرسية) ، فعهد إليه المعتمد بوضع خطة لانتزاعها من يد صاحبها ابن طاهر، فعقد ابن عمار صفقة مع ريموند برانجيه الثاني كونت( برشلونة)، يشارك فيها ريموند بفرسانه في حملة ضم( مرسية ) مقابل مبلغ من المال، وقدّم الطرفان الرهائن للوفاء بالصفقة، فقدم المعتمد ابنه الرشيد بن المعتمد، وقدم الكونت ابن أخيه. وحاصرت القوتان (مرسية) ، إلا أن المعتمد تلكأ في أداء المال إلى حليفه، فظن أنه قد غرر به، فقبض على ابن عمار والرشيد، وانسحب بقواته. فأدى المعتمد المال، وبعث معه ابن أخ الكونت اليه ، فأفرج الكونت عن الرشيد وابن عمار، وأخفقت تلك الحملةولم يكتب لها النجاح .
وفي عام 471 هـجرية ، أشار ابن عمار على المعتمد بتجهيز حملة أخرى بقيادة ابن عمار نفسه على ( مرسية) ، فمر ابن عمار بصاحب حصن ( بلج ) الامير عبد الرحمن بن رشيق، وسلمه قيادة الحملة و حاصر ابن رشيق( مرسية)، حتى تم فتح المدينة فانتهز ابن عمار الفرصة، واستقل بحكم ( مرسية) وهجا المعتمد بن عباد واباه فقال:
مما يزهدني في أرض أندلـس
أسـمـاء معتضـد فيها ومعتـمـد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
وكانما كان يخطط لهذا الامر منذ البداية وتصرف فيها تصرّف الملوك، فاستعمل عبيده على الحصون، وانهمك في الشراب والملذات يقول في ذلك :
كم من شجاع قدته تحت الردى
بدم من الأوداج كالارسان
روى ليضرب بطعنة
إن الرماح بداية الفرسان
وتناسى ما اسداه اليه المعتمد بن عباد وكفر بفضل المعتمد عليه، فكتب قصيدة هجا فيها المعتمد وزوجته اعتماد الرميكية. ولما وقعت تلك القصيدة في يد أبي بكر بن عبد العزيز صاحب( بلنسية) ولم يكن على وفاق مع ابن عمار عن طريق بعض عملائه في ( مرسية) ، فأرسلها إلى المعتمد ليؤلبه على ابن عمار. و تزامن ذلك الوقت مع تمكّن ابن رشيق من خلع أبي بكر بن عمار من حكم ( مرسية) ، منتهزًا خروجه يومًا لتفقد بعض الحصون. ففر ابن عمار إلى بلاط ألفونسو السادس الذي لم يقدم له يد العون، فقصد ابن عمار (سرقسطة) عند حاكمها المقتدر بن هود، فأكرمه واستخدمه.الا ان توفي المقتدر عام\ 475 هجرية فتقاسم أولاده مملكته، فكانت ( سرقسطة ) من نصيب ولده المؤتمن، فظل ابن عمار عنده. ثم أوعز ابن عمار للمؤتمن بفتح حصن (شقورة ) الذي يقع في أراضي ( دانية )، فبعث المؤتمن ابن عمار في ربيع الأول من سنة \ 477 هـجرية على راس قوة لفتح الحصن، إلا أن حاكمه ابن مبارك دعا ابن عمار ورجاله لدخول الحصن وأظهرلهم الترحيب بهم ، فانخدع ابن عمار، وعندما دخل الحصن قبض عليه، وأودعه السجن. ولما علم المعتمد بن عباد بالحدث، أرسل ابنه الراضي بالأموال إلى ابن مبارك ليسلمه ابن عمار، فسلم ابن مبارك ابن عمار للراضي الذي ذهب به إلى (قرطبة ) حيث كان يقيم المعتمد ، ثم أخذه بعد أيام إلى ( إشبيلية ) وسجنه.نتيجة لخيانته له وتضرع ابن عمار للمعتمد بأشعاره لعله يسامحه ويتجاوز فلم تنفعه ومما قال في ذلك:
سجاياك إن عافيت أندى وأسمح
وعذرك إن عاقبت أجلي وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزية
فأنت إلى الأدنى من اللَه أجنح
حنانيك في أخذي برأيك لا تطع
عداتي وأن أثنوا علي وافصحوا
وماذا عسى الأعداء ان يتزيدوا
سوى أن ذنبي واضح متصحح
نعم لي ذنب غير أن لحلمه
صفات يزل الذنب عنها فيسفح
وهبني وقد أعقبت أعمال مفسد
أما تفسد الأعمال ثمة تصلح
أقلني بما بيني وبينك من رضى
له نحو روح اللَه باب مفتح
وقيل إن المعتمد قد همَّ بالعفو عنه الا أنه علم ان ابن عمارراسل أعداءه من السجن يخبرهم بعفو المعتمد عنه ،وانه سيساعدتهم في القضاء على بني عباد عند خروجه من السجن فلما علم المعتمد بذلك جاءه في سجنه وهوى عليه بفأسٍ فأرداه قتيلاً ،وهكذا قتله الامير المعتمد بن عباد بيده وذلك سنة\ 477 هجرية . دفن بن عمار غير بعيد من القصرحتى قال بعضهم رأيته بعد سنة وقد نبش قبره وما زالت الأغلال في رجليه.
قتل الشاعر محمد بن عمار الاندلسي في أواخر عام 477 هجرية – 1085 ميلادية .
كان ابن عمار وزيراً وقائداً وسياسياً ودبلوماسيًا بارعًا ساهم في تعاظم ملك بني عباد سواء بالمشورة أو التنفيذ ، فذاع صيته في بلاد الأندلس والبلدان المجاورة، حتى نسجت حوله الأساطير ولعل اهمها نجاحه في رد حملة لألفونسو السادس على( إشبيلية) اذ استغل محبته للعبة الشطرنج، فاغراه اذ أمر بصنع لوح شطرنج متقن ومحلّى بالذهب، ولاعبه على إن ينفذ له ألفونسو ما يطلبه إن هو غلبه فتمكن من غلبته فنفذ له ما اراد فرد حملته بعد غلبته في اللعب. وقد كان ابن معجب بنفسه فيقول:
إني ابن عمار لا أخفي على أحد
إلا على جاهل بالشمس والقمر
وبين طبعي وذهني كل سابقة
كالسهم يبعد بين الفوس والوتر
إن كان أخرني دهري فلا حرج
فوائد الكتب في الطرر
يتميّز ابن عمار انه من الشعراء المعدودين شعراء الأندلس في زمانه وأجاد في كل فنون الشعر بالأخص شعر الهجاء حتى كان أمراء الأندلس يخشونه لبذاءة لسانه . وكذلك اجاد في المدح والغزل والرثاء والوص والخمرة وفي كل الفنون الشعرية يقول في الغزل:
نفسي وإن عذبتها تهواك
وبهزها طرب الى لقياك
عجباً لهذا الوصل أصبح بيننا
متعذراً ومناي فيه مناك
ما بال قلبي حين رامك لم ينل
ولقد ترومك مقلتي فتراك
ليت الرقيب إذ التقينا لم يكن
لأنال رياً من لذيذ لماك
متنزهاً في روض خدك شارباً
كأس الفتور تديرها عيناك
حكت الغصون جمال قدك فانثنت
والفضل للمحكي لا للحاكي
قال عنه صاحب الذخيرة:
( كان شاعراً لا يجارى، وساحراً لا يبارى، إذا مدح استنزل العصم، وإن هجا أسمع الصم، وإن تغزل، ولا سيما في المعذرين من الغلمان، أسمع سحراً لا يعرفه البيان، وكيف لا يرغب في شعره، ويتنافس فيما ينفث به من سحره، وهو يضرب في انواع الإبداع بأعلى السهام، ويأخذ من التوليد والاختراع بأوفر الأقسام)
واختم بهذه القصيدة الرائعة :
ألا للمعالي ما تعيد وما تبدي
وفي اللَه ما تخفيه عنا وما تبدي
نوال كما اخضر العذار وفتكة
كما خجلت من دونه صفحة الخد
جنيت ثمار النصر طيبة الجني
ولا شجر غير المثقفة الملد
وقلدت أجياد الربى رائق الحلى
ولا درر غير المطهمة الجرد
بكل فتى عاري الأشاجع لابس
الي غمرات الموت محكمة السرد
يكر فكم طعن كسامعة الفرا
يضاف إلى ضرب كحاشية البرد
نجوم سماء الحرب إن يدج ليلها
يدور بهم أفواجها فلك السعد
خميس تردى من بنيك بمرهف
حكاك كما قد الشراك من الجلد
ببدر ولكن من مطالعه الوغى
وليث ولكن من براثنه الهندي
فتى ثقف بين الحمائل مقدم
جنى المو ت من كفيه أحلى من الشهد
سقيت به ديناً عفاتك مخصباً
فأجناك من روض الندى زهر الحمد
وجندته نحو الملوك محارباً
فوافاك يقتاد الملوك من الجند
ورب ظلام سار فيه إلى العدى
ولا نجم الا ما تطلع من غمد
اطل على قرمونة متبلجاً
مع الصبح حتى قيل كانا على وعد
فأرملها بالسيف ثم أعارها
من النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الندى
ويا برد تلك النار في كبد المجد
لك اللَه إن كانت عداتك بعضها
لبعض فكل منهم جميعاً إلى فرد
يهوداً وكانت بربراً فانتض الظبي
وأنبئهم منها بالسنة لسد
اقول وقد نادى ابن اسحاق قومه
لأرضك يرتاد المنية من بعد
لقد سلكت نهج السبيل إلى الردى
ظباء دنت من غابة الاسد الورد
كأني تباديس وقد حط رحله
إلى الفرس الطاوي عن الفرس المهند
إلى الفرس الجاري به طلق الردى
سريعاً غنياً عن لجام وعن لبد
يحن إلى غرناطة فوق متنه
كما حن مقصوص الجاح إلى الورد
ظفرت بهم فارنح وأومض كؤسها
بروقاً لها من عودها ضجة الرعد
معتقة أهدت إلى الورد لونها
وجادت برياها على العنبر الورد
فاكثر ما يلهيك عن كأسها الوغى
وعن غمات العود نغمة مستجدي
وما الملك الا حلية بك حسنها
والا فما فضل السوار بلا زند
ولا عجب ان لم يدن بك مارق
فليس جمال الشمس في الاعين الرمد
هنيئاً ببكر في الفتوح نكحتها
وما قبضت غير المنية في النقد
تحلت من السيف الخضيب بصفحة
وقامت من الرمح الطويل على قد
ودونكها من نسج فكري حلة
مطرزة العطفين بالشكر والحمد
ألذ من الماء القراح على الصدى
واطيب من وصل الهوى عقب الصد
وما هذه الاشعار الامجامر
تضوع فيها للندى قطع الند
وكنت نشرت الفضل في وانما
نشرت سقيط الطل في ورق الورد
وها أنا باغ من نداك بقدر ما
يضاف لتأميلي ويعزى إلى ودي
فأقسم لو قسمت جودك في الورى
على قدر التأميل فزت به وحدي
قنعت بما عندي من النعم التي
يفسرها قولي قنعت بما عندي
اميرالبيان العربي
د فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق – ديالى – بلدروز
*************************************

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق