مقالات

فهمانُ يرى الشيطانَ باستخدام الفيزياءالنووية ج3 إبراهيم أمين مؤمن-مصر

    بعد أن برأ فهمان تماما من الصاعقة التي أصابته بعد أنسافر إلى المستقبل وشاهد بنفسه أهل النار يعذبونوقدكان منهم كاجيتادعا جاك مجددا لاستئناف التجارب قائلا: «جرّب التصادم هذه المرة على 350 تيرا إلكترون فولت

ابتسم جاك له وهو يقول:  «300 تيرا إلكترون فولت سفّرتكإلى المستقبل حيث انتهت الحياة الأرضية، فما بالك ب350!»

بادله فهمان الابتسامة، ثم قال حزينا: «هل تصدقني لو قلتلك إني أفضل السفر إلى إبليس في وقتنا الحاضر عنالسفر إلى المستقبل لرؤية أهل الجنة؟»

تقلصت ملامح جاك بعد الابتسامات العريضة التي كانتتبسط وجهه بسطا بسبب إخلاص فهمان الذي لم يعهدبمثله في الحياة، وقال بتأثر وهو يهز رأسه: «أصدقك

– «ما دمت تصدقني فعلام الانتظار، هيا نجري الارتطام

   توجه جاك على الفور إلى ليناك 64 (هو من يدفع حزمالبروتونات) لوضع حزمتي البروتونات، ووقف فهمانمجددا داخل الفقاعة الرابيديومية بعد أن ارتدى البذلةالفضائية وأمسك بالمجس.

كانت يدا جاك تضطرب بشدة خوفا على صديقه من أنيحدث له مكروه مرة أخرى.

أطلق جاك حزمتي البروتونات وتصادمت بعد ثلث ساعة،وتولدت الثقوب السوداء المجهرية، وبوساطة برنامجحاسوب تمكن جاك من جعلها في صورة دائرية كما كانسابقا في التجربة الأولى (تجربة 300 تيرا إلكترون فولت).

أمسك فهمان بالمنظار في انتظار أن يضرب جاك جانبا منذرات الرابيديوم السالبة في أحد قلوب الثقوب السوداءالتي تحيط به في شكل دائرةلتخليق الثقب الدودي ليرىبه ما خلفه (الثقب الأسود) من أكوان. لكنه لم يتمكن إذحدثت كارثة!

حدث خلل في جهاز الليزر، فأحدث تفاوتا في قوى حزمالليزر المنطلقة؛ مما تسبب في تفاوت قوى أفق أحداثالثقوب الجاذبة، وهذا التفاوت في القوى تسبب في وجودقوى تنافر في جزء من الفقاعة لم يقابلها نفس قوى التنافرفي الجزء المقابل فدفعت فهمان قوى التنافر الأكبر الناجمةعن الثقب الأسود فوقع المنظار من يده على الفور، وارتطمبالجدار بتأثير قوى جذب الثقب (طبعا التي تحولت إلىقوى تنافر بسبب الفقاعة ذات المادة السالبة التي تحيطبفهمان) فشج رأسه، بعد أن كُسرت خوذة البذلة وأغمي عليهعلى الفور، فسكن أمام عيني جاك بلا حراك.

أوقف جاك كل شيء وهو في قمة الهلع، وقد ألجمت الكارثةأوصاله فصرخ، وحين توجه نحوه سقط على الأرض، حاولالنهوض فلم يستطع، لم يكترث جاك بما حدث له وإنماوصل إلى فهمان زحفا.

صرخ به: «فهمان، فهمان، فداك روحي وكل ما أملك، ياليتني كنتُ مكانك

مد كلتا يديه إليه وهما لا تكادا تستقران من شدة الرعشةالتي ضربتهما، نزع عنه خوذة البذلة الفضائية التيتهشمت تماما، مد إحدى أذنيه إلى قلبه فسمع دقاتهتتصاعد فتنفس الصعداء وتمالك نفسه وقال: الحمد للرب.

وكما دبت الكارثة في قدميه فأعجزتهما عن الوقوفاستنهضت أيضا عزيمةُ إنقاذه فرد الله الروح إليهما، فحملهجاك على الفور وهو يحاول جاهدا وقف نزيف الرأس بكلالسبل، واستدعى له طبيبا.

                 ***

بينما جاك يحاول وقف نزيف الرأس ودموعه الحارة كالجمرتتساقط، دخل الطبيب.

أسعفه، كما أوقف النزيف تماما من خلال عملية جراحية،وجلس ينظر إلى جاك دهشا من شدة هلعه وحزنه علىالرغم من أن الطبيب يعلم أن جاك أمريكي الجنسية.

أفاق فهمان بعد لحظات، وقبل أن يهمس بكلمة هبّ الطبيبمن جلسته وقال له: «لابد من الراحة بضعة أيام دكتورفهمان فجراحك غائر وواسع

سأله جاك عن حالته فقال الطبيب: «كما سمعت دكتور جاك،الجرح غائر وواسع، ولقد أصيب أيضا بكدمات حادة فيبعض الأجزاء من جسده، لذلك سوف يحتاج إلى علاجطبيعيورحل الطبيب.

فور رحيل الطبيب حاول فهمان النهوض فلم يستطع،فالجرح أصابه بالدوخة، والكدمات آلمته.

قال جاك: «أتريد أن تذهب لدورة المياه يا فهمان؟ حسنا،سأتصرف

قال فهمان بصوت فيه حسرة: «ألا نستكمل التجارب؟»

ذهل جاك وقال: «تجارب! ألم تسمع قول الطبيب؟ قال بضعةأيام

– «وهل يمهلني إبليس وحزبه بضعة أيام حتى آتيه، أكيدهو وحزبه يلتفون حول كاجيتا ويتناوبون عليه الوسوسةحتى يدمر العالم

قال جاك دامعا: «يا فهمان، إن كان لي خاطر عندك فلا تفكرفي هذا الأمر قبل أن تتعافى، أرجوك وأتوسل إليك

نظر إليه فهمان نظرة حب وإجلال وقد قرر أن يمتثل لرغبةجاك، بعد لحظات غلبه الإعياء فنام رغما عن أنفه.

                               ***

فور وصول كاجيتا وفريقه أرض مطار طوكيو الدولي كانفي استقباله سيارة طائرة من أجل أن تقوده إلىكانتيه“.

أمر كاجيتا فريقه بالذهاب إلى أهليهم، كل واحد منهم لميجد في نفسه غضاضة من أمر كاجيتا إلا ناكامورا فقدامتعض، ودارى امتعاضه ببسمة عريضة، حدق كاجيتا بتلكالبسمة واستقرأها جيدا، فقال في نفسه: ويلك يا ناكاموراماذا تريد أن تفعل بي؟ بل ماذا تريد أن تفعل بقنابل الثقوبالسوداء إذا حزتها؟

ورفع كاجيتا يده نحو الصرة التي تحوي القنابل الخمسةوذرات الرابيديوم، يتحسسها ليتأكد أنها ما زالت في حوزتهولم يسرقها منها ناكامورا، وناكامورا ينظر إلى يده ويتمنىلو تنسلخ الصرة من جيبه وتطير في الهواء وتذهب إليه.

                                      ***

دخل القصر، فهب رئيس الوزراء واقفا، وعلى وجهه ارتسمتعلامات الحرص فألجمت لسانه عن التعبير عما بداخله،فأشار بيده إليه إشارة تساؤل عن نتائج رحلته.

فتهلل وجه كاجيتا، فانفرجت أسارير الرئيس وأسرع إليهواحتضنه في غبطة غامرة وهو يقول: «نجحت، نجحت،صح؟»

قال كاجيتا: «إن كاجيتا لا يعجزه شيء يا سيادة الرئيس

ابتعد عنه رئيس الوزراء قليلا ويداه تربتان على كتفيه، أما عيناه فتمتلآن طمعا وسروروا.

قال كاجيتا: «أخيرا سيادة الرئيس، أخيرا سآخذ العزاء فيأهلي الذين ماتوا في هيروشيما

تركه الرئيس وجلس على كرسي العرش الذي لا يحب أنيفارقه بتاتا، وقال: «بل قل آن الأوان لتحكم اليابان العالم

استاء كاجيتا قليلا، وجلس على الفور ثم ما لبث أن قال: «قبل أن نقيم سرادقات العزاء علينا بتطهير خريطة العالم

وفتح هاتفه، وأخذ يقلب في بضع صور، فلما عثر علىالصورة التي يريدها ثبتها على الهاتف.

قال وهو يشير على جزء منها وهي مساحة الولاياتالمتحدة: «سيادة الرئيس، هذه خريطة العالم، رجاء، انظرإلى هذه المساحة

حدق الرئيس على الجزء المشار إليه وقال: «هذه الولاياتالمتحدة الأمريكية، ما شأنك بها؟»

– «أريد محوها من الخريطة

وقبض على يده ثم بسطها ونفخ فيها كأنما يريد أن يزيل ماعلق بها من قاذورات وقال مستدركا: «هكذا أنفخ فيهمفيكونون كالهشيم تذروه الرياح

دهش الرئيس وقال ممتعضا: «أنا لا أريد استئصال شأفتهموإنما حكمهم، ثم من يسكنها فيما بعد إنْ أنا وافقتك علىذلك؟»

قال كاجيتا في نفسه: أيها الأحمق، جنون العظمة سوفيضيع علينا حقنا في طلب أجساد أهلينا التي ذابت وذرتهاالرياح مع الغبار النووي.

وأراد أن ينتصر لرأيه، فقال: «سيادة الرئيس، لقد فرضتْعليك أمريكا بأن تكون حليفا لهم وعليك الانتقام منهم منأجل ذلك

– «كان يجب أن أساورهم حتى لا أفقد مكانتي، فتاريخالانقلابات العسكرية على مر العصور كان بيد أمريكية،وهذه الانقلابات لا تخفى على أحد، ولا يرتاب في أمرهاأحد

– «لكني أريد الانتقام

وقف فور أن قال كاجيتا كلمته، ووقف له كاجيتا احترامالشخصه، ثم ما لبث أن مرر الرئيس يده على لحيته وهويسير الهوينى وأخذ يفكر بعمق، ولما اهتدى لحل قال: «اسمع يا كاجيتا، سنهلك أساطيلهم البحرية التييتفاخرون بها، لكن اعلم أني سأفعل ذلك من أجل إرضائك،فمسألة الانتقام هذه لا أكترث لها

سكت كاجيتا حزنا، أما الرئيس فسكت يتدبر أمرا آخر، قالبعدها: «قل لي يا كاجيتا، كيف لهذا البيض المتناهي فيالصغر (يقصد طبعا قنابل الثقوب السوداء) أن تفعل ما لمتستطع فعله القنابل الهيدروجينية، أو حتى الذرية؟ قرّب ليالفكرة

زفر كاجيتا زفرة طويلة وقال له: «سيدي الرئيس، الانفجارالذي حدث لنا من انشطار أنوية النيوترونات واليورانيوم،وهذه أيضا ذرات (يشير في هذه اللحظة إلى الصرة) ولكنهاتتحول إلى ثقوب سوداء فور ضرب ذرات الرابيديومالموجودة في وسطها بالليزر

عاود الرئيس وسأله مجددا: «لم تجبني يا كاجيتا عن سؤالسابق، من يسكنها إذا وافقتك على هلاكهم جميعا؟»

أجابه: «سيادة الرئيس، ستجذبهم الثقوب السوداء وترميبهم في كون لا يعرفه أحد، أما مساحة أراضيهم فستنقصمن مساحة الكرة الأرضية، لأن القنابل ستجذب ما حولها منمادة وترميها في كون آخر

دهش الرئيس، ولم يستسغ الأمر لشدة الدهشة.

فاستطرد كاجيتا: «مساحة الكرة الأرضية 510 مليون كم2 ويطرح منها مساحة أمريكا 9,826,675 كم²، هذه هيمساحة الكرة الأرضية الجديدة سيادة الرئيس

                                                  ***

أقبل إليه، فلما دنا منه بسط يده إليه وقال: «القنابل

فأومأ كاجيتا برأسه إيماءة استفهام ودهشة.

قال الرئيس: «ما بك؟ لم تندهش؟ أريدهاوبسط كلتا يديه.

أمسك كاجيتا نفسه عن الضحك وهو يسرع بإخراج القنابلالمصرورة بورق لين، قال كاجيتا: «ها هي

احمرّ وجه الرئيس وقال له ناهرا وفي نيته أن يبطش بهويجعله أحدوثة تلوكها الألسن: «أتستغباني أيها الحمار! أين القنابل؟»

يعلم كاجيتا مقدار الصلف الذي يملأ كيان الرئيس، لذلكباغته قولٌ تردد على سمعه: لا تثريب عليك، فلولا صلفك ماأرسلتني إلى مصر لصناعة القنابل.

أجابه كاجيتا: «انظر سيادة الرئيس، حدق بهؤلاء جيدا،حدقيكلمه وهو يشير بإصبعه نحو الخمس قنابل التيبحوزته.

قال الرئيس وهو يمد يده نحو الصرة: «هاتها، هاتها، رويدارويدا

لم يتمالك كاجيتا نفسه وانفجر في الضحك هذه المرة، وقالوهو يخرج من جيبه صرة أخرى ويشير إليها: «لا تخشسيادة الرئيس فإنها لا تُفعّل إلا بضرب ذرات الرابيديوم هذهبالليزر

فتمالك الرئيس أعصابه، أخذها وحدق بها جيدا وقال: «إنهاأحدّ من شفرة الموس بيد أنها أدق من بيض البرغوت، كيفتعمل هذه الملعونة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

19 + خمسة عشر =

إغلاق