الرئيسيةمقالات

القيل والقال: فوضى الكلمة حين تغيب المسؤولية وتتحوّل إلى أداة هدم اجتماعي

فاطمة ابوواصل إغبارية

لم يعد القيل والقال مجرّد حديث عابر في مجالس عابرة، بل تحوّل إلى سلوك اجتماعي مُمنهج يُمارَس بلا وعي بخطورته، وبلا إحساس بثقل الكلمة ومسؤوليتها. ففي زمن يُفترض أن يكون الوعي فيه أعلى، أصبحت الكلمة رخيصة، تُقال بلا تمحيص، وتُنقل بلا تثبّت، وتُستهلك في العبث بأعراض الناس وسمعتهم. إنها فوضى لغوية وأخلاقية، حين يغيب الضمير وتحضر الشهوة الكلامية، فيتحوّل الحديث من وسيلة تواصل وبناء إلى أداة هدم اجتماعي صامت، تهدم الثقة، وتزرع الفتنة، وتفكك النسيج الإنساني دون أن تترك أثرًا مرئيًا، لكنها تخلّف خرابًا عميقًا في النفوس.

في الأعراس، في المآتم، في اللقاءات العامة والخاصة، يتكرّر المشهد ذاته: أخبار تُتداول بلا مصدر، حكايات تُروى بلا يقين، وأحكام تُطلق بلا حق. يُبرَّر القيل والقال أحيانًا بحسن النيّة أو بدعوى «مجرد حديث»، بينما هو في حقيقته تطبيع خطير مع الغيبة والنميمة، وتدريب يومي على الاستهانة بالقيم. وهنا لا يعود الكلام وسيلة للتواصل، بل يتحوّل إلى سلاح ناعم يُمارس أذاه بلا ضجيج.

الأخطر من ذلك أن القيل والقال يُفرغ المجتمع من مناعته الأخلاقية؛ فحين يصبح الخوض في شؤون الآخرين عادة، يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين النصيحة والتشهير، وبين الاهتمام والتطفّل، وبين الحقيقة والظن. وسرعان ما تتآكل الثقة، وتُغذّى الكراهية، وتُفتح أبواب القطيعة الاجتماعية، ليصبح المجتمع هشًّا، سريع الاشتعال، قليل التسامح.

ومن أبرز تجليات هذه الفوضى كثرة السؤال، وهي آفة تتخفّى أحيانًا بثوب الفضول، وأحيانًا أخرى بثوب التدين. ففي أمور الدنيا، يتحوّل السؤال المتكرر عن أموال الناس، وأحوالهم الخاصة، وحاجاتهم، إلى اقتحام غير مشروع للخصوصية. يُذلّ السائل نفسه قبل غيره، ويُثقل كاهل الناس، ويكسر ميزان الكرامة الإنسانية، وكأن الصمت لم يعد حقًّا مشروعًا.

أما في أمور الدين، فتبلغ الخطورة ذروتها حين يتحوّل السؤال إلى تنطّع وتشغيب، أو إلى تتبّع افتراضي لمسائل لم تقع، ولا حاجة لها، سوى إثارة الجدل أو إحراج العلماء. وهنا يُشوَّه الوعي الديني، ويُضيَّق ما وسّعه الله، ويُحرَّم ما كان مباحًا، فيتحوّل الدين من رسالة هداية ورحمة إلى مادة جدل واستعراض.

ليس الصمت ضعفًا، بل وعي أخلاقي. فالصمت حين يكون الكلام أذى، وحين يغيب العلم، وحين يتحوّل الحديث إلى قيل وقال، هو موقف أخلاقي راقٍ، واختيار مسؤول. إن الخروج من مستنقع القيل والقال ليس انسحابًا من المجتمع، بل حماية له، وصونٌ للقيم، وحفظٌ للإنسان.

خاتمة

ليست الكلمة بريئة كما نُحب أن نُصدّق، ولا القيل والقال تسلية عابرة كما نُبرّر لأنفسنا. فكل جملة تُقال بلا وعي، وكل خبر يُنقل بلا تثبّت، هو مشاركة صامتة في هدم إنسان، وتشويه سمعة، وتمزيق نسيج اجتماعي. إن أخطر الجرائم ليست تلك التي تُرتكب في العلن، بل تلك التي تُمارَس في المجالس، وتحت غطاء الحديث العادي.

القيل والقال ليس خللًا في اللسان فحسب، بل مؤشر خطير على اختلال منظومة القيم، وعلى غياب المسؤولية الأخلاقية. وما لم ندرك أن الصمت أحيانًا أشرف من الكلام، وأن الكلمة قد تكون عبادة كما قد تكون خطيئة، سنبقى نُنتج مجتمعات تتآكل من الداخل.

في زمن انفلات الكلمة، يصبح الصمت الواعي موقفًا، وتصبح الكلمة المنضبطة فعل مقاومة. ومن ينجُ من مستنقع القيل والقال، لا ينجو وحده، بل يُنقذ ما تبقّى من إنسانية المجتمع

إغلاق