الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا/ عمر عبد الرحمن نمر

وقف الباص للرجل، والرجل على الرصيف يمشي ببطء وتمهل… لا يبدو عليه أنه مسافر… صعد الباص، وسلّم على السائق، ثم صاح: التذاكر، لو سمحتوا…

إنه المفتش، مفتش التذاكر، وأسموه المعاون (مساعد شفير الباص) والاسم الشعبي المتداول (الكنترول) وهي لفظة من الإنجليزية، وتعني الضبط، وقد قلب الناس لام الكنترول، نوناً، فأصبح الكنترون… وهناك تبادل في أمكنة حرفيْ اللام والنون في ألفاظ كثيرة، مثل: جول وجون… عنوان وعلوان، عمّان وعمّال… إلخ…

الكنترون، مهنة قديمة في الباصات، كان الرجل يقضي دوامه على الشارع الذي يمر به باصه، يصعد في الباص، ويحمل ورقة وقلما، ويدقق في (البوليطات) التذاكر كلها، ويسجّل أرقامها، ثم يمزّق طرفها، ويا ويلك ويا سواد ليلك، إذا ضيعت (البوليط) وانتظرك الكنترون وأنت تبحث عنه في جيوبك، هنا وهناك، أو وأنت بارمها وداحشها في خزق من خزوق الباص أمامك… عندها قد يصيح بك الكنترون، ويريك ما كتب على البوليط ” احفظها للمراقبة، أو للتفتيش” ، وربما كانت العبارة أفظع ” ستدفع قيمتها إن فقدتها”… يوم السعد كان – وكنّا طلاب مدارس- وندخل الباص خلسة من الباب الخلفي، ولا نقطع تذكرة، ونوقف الباص للنزول عندما يصعد مراقب التذاكر… يا سلام، مغامرة فيها توفير قرشيْن، وهذا يعني الحصول على ست سجاير عالية في ذاك الزمن الذي كنّا ندخن فيه…

والكنترون نوعان، نوع يطارد في الشوارع مع الباصات، وآخر أرضي وظيفته قطع التذاكر، وتقدير حمولة المسافرين لدفع ثمن الحمولة… وأذكر في إحدى المرّات، أن الكنترون الأرضي في ذاك الزمن، كان قد منحه الله بسطة في الجسم، وطولاّ في الشوارب، وصرامةّ في النبرة… ولما رفعت شركة الباصات الأجرة على الطلاب تعريفة واحدة (نصف قرش) قررنا الإضراب، ووكلنا أمرنا لشيخ الطلاب في تلك الفترة، فهو مسيّرنا ورائدنا ليتحدث باسمنا جميعاً، وكان جالساً في المقعد الثاني في الباص، ونحن خلفه في المقاعد، وعندما قطع له الكنترون بوليطا بقرشين ونصف، رفض دفع الزيادة، وأذكر أنه دخل في حوار مع الكنترول المفترس، في ثوان تحول الحوار إلى نقاش، وبعدها بثوان دبّ الخلاف، وعينك ما تشوف إلا الناظر… الولد محشوق بين كرسييْن، والرجل يلحس كفّه ويهدي بطلنا صفعاته وكمّاداته على أنحاء بدنه المختلفة، والصوت من الولد والفرج من الله، ونحن كصيصان بلّلها المطر وترتجف برداً… نعم كنا جبناء، لم ننبس بحرف واحد… وفرضت علينا الزيادة… بعد أن نال رائدنا ما قسم الله له…

أما الكنترون على الشوارع، فإضافة إلى عمله الأساس في التفتيش على البوليطات، فإنه كان يحل المشاكل بين المسافرين والسائق، يحلها بالتراضي والحسنى عادة، وكان الحافظ الأمين على الشرف في الباص، فيا (تعستو)، إذا تحرك شاب حركة غريبة في الباص، وفيه شابات ونساء… عادة كان الكنترون يقيم قيامته… ويوكلها الأزعر بهدلة عامّة طامّة… إنها رحلة الباص بين مدينتيْن، وإنه عمل الكونترون الرسمي… ضابط شؤون الباص…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + خمسة =

إغلاق