منوعات

هدموا بوابة البازار كي يعبر فيلُ زفافها… الأميرة الإيرانية عصمة الدولة

من الصور التي وصلتنا من الحريم القاجاري، نرى صوراً لنساء فاقدات للجمال الأنثوي الذي هو متعارف عليه اليوم؛ ملامحهن خشنة، وشواربهن طويلة كما الرجال، ما يوقعنا في هذا الخطأ أنّ خلف هذه الملامح الخشنة ثمة شخصيات فارغة من اللطافة. بينما ببعض التدقيق في مدّونات عصرهن، نجد أنّ الأمر على عكس ذلك، فهؤلاء النساء لطيفات الطِّباع ولبقات. نحاول في هذه المقالة عبر جمع الصور والمذكرات والرسائل والرحلات أن نزيح الستار عن وجهٍ لم نرَه من قبل في هذه الفترة، ونقترب من شخصية “عصمة الدولة”.

عصمت الدولة

هي فاطمة خانُم ابنة ناصر الدين شاه (1831-1896)، رابع الملوك القاجاريين وأقواهم. وقد حكم إيران ما يُقارب 50 عاماً. كما أنه أول ملك قاجاري سافر إلى أوروبا. لُقّبت فاطمة بعصمة الدولة منذ طفولتها، ولأنها كانت تهتم بالقراءة، كما أنها أول سيدة إيرانية تعلمت العزف على البيانو، دار اسمها عى الألسن.

من الصور التي وصلتنا من الحريم القاجاري، نرى صوراً لنساء فاقدات للجمال الأنثوي المتعارف عليه اليوم؛ ملامحهن خشنة، وشواربهن طويلة، ما يوقعنا في خطأ الاعتقاد أنّ خلف هذه الملامح الخشنة ثمة شخصيات فارغة من اللطافة. بينما ببعض التدقيق في مدّونات عصرهن، نجد أنّ الأمر على عكس ذلك

خُطبت عصمة الدولة في سنّ الحادية عشرة بمَهرٍ ضخم، منه قریة حُسين آباد الواقعة بالقرب من طهران، والتي بُني في ما بعد فيها مطارُ طهران الحالي (مهرآباد). وقد أُخذ اسم المطار والمنطقة من المهر المقدم لعصمة الدولة. أما من طلب يدها وخطبها فكان دوسْت محمد خان، الذي استلم أبوه دوسْت علي خان معيّر الممالك لسنوات طويلة دارَ الضّرب (للمسكوكات)، ولذلك بات ثرياً.

عرس مهيب

يكتب ناصر الدين شاه في مذكراته ساخراً من عرسهما:

“بدأ العرس منذ خمسة أيام وما زال قائماً. استمر إلى الخامس من رجب في بيت معير الممالك، إذ تزوّج دوسْت علي خان عصمةَ الدولة. توالى عليهما الضيوف ليل نهار. حدث بينهما شدّ الحبل بصورة عجيبة. كانوا يطلقون النارَ كلّ يوم. ولكن بعد أن طال الأمر بهما، أصبح العرس بالياً ومندرساً. إنه لأمرٌ مضحك. ذهب إليهما أول أمس أبو الملك. ذهب إليهما أيضاً والي كيلان، وحاكم يزْد، وغيرهما”.

خُطبت عصمة الدولة في سنّ الحادية عشرة بمَهرٍ ضخم، وأقيم لها عرس مهيب. دُعي إلى الحفل الكثيرُ من الناس، وبسبب عظمة العرس بقي في ذاكرة سكّان طهران لأعوام طويلة. ووصل الأمر إلى مَن يقول: “كنتُ في عرس عصمة الدولة”، بمعنى أنه رأى العجب العجاب

دُعي إلى هذا الحفل الكثيرُ من الناس، وبسبب عظمة العرس بقي في ذاكرة سكّان طهران لأعوام طويلة. ووصل الأمر إلى مَن يقول: “كنتُ في عرس عصمة الدولة”، بمعنى أنه رأى العجب العجاب.

يكتب مهدي بامداد صاحب كتاب “رجال العصر القاجاري”: “أعدّ دوسُت علي خان عرساً مهيباً لابنه، ذكّرهم بعصر البرامكة وآل سهل. لم يحدث مثل هذا العرس طوال الفترة القاجارية. منح معير الممالك فاكهةَ بستانه للمدعوين، وفرش طريق العرس من القصر الملكي حتى بيت العريس بالقماش الكشميري، ولأنّ منزل الفيلة كان من ضمن إدارته، فقد حمل العروس بالفيلة حتى منزل العريس، ولأنهم أرادوا مرورَ العروس مع الفيل من سَبزِه ميدان (من ميادين بازار طهران القديم) والبازار، هدموا بوابة البازار لأنها قصيرة ليعبر الفيل بالهودج منها”.

كانت عصمة الدولة تعرف اللغة الفرنسية، وتعزف على البيانو، وتملك مع زوجها مجموعةً من الساعات والمخطوطات القديمة والكاميرات، وغيرها من الأشياء الثمينة، وكانت شهرة الاثنين إلى درجة أنّ الناس ينظرون إليهما على أنهما أنجح زوجين وأكثرهم سعادةً في طهران. الثروة التي وصلت إليهما عن طريق والد العريس، دوست علي خان معير الممالك، وذوق الزوجين، وحبهما للضيوف، أدّى إلى شهرة ضيافاتهما على مستوى طهران.

كانت عصمة الدولة تتقن اللغة الفرنسية، وتعزف على البيانو، وتملك مع زوجها مجموعةً من الساعات والمخطوطات القديمة والكاميرات

دُعيت الرحالة الإيطالية الشهيرة كارلا سرنا في رحلتها إلى طهران عام 1877 لبيت عصمة الدولة، فتصف دعوتها:

“أرسلتْ في طلبي الأميرة المحترمة رئيسة الخواجات (غلمان الحريم) السيدة عصمة الدولة، وأخبروني أنها سترسل عربتها أمام بيتي غداً صباحاً بعد ساعة من طلوع الشمس أي السابعة صباحاً. قيل لي إنها ترجوك أن تشاركي في المراسم، لأنها دعت الكثير من أصدقائها للتعرف عليكِ”.

ذهبت سرنا في اليوم المقرر إلى حديقة عصمة الدولة، وبعد عبورها من ممر الحديقة وصلت إلى طريق مسقوف بالأشجار في نهاية مسرح تجمعت فيه النساء. من هذه النقطة تشرح سرنا بوصف جذاب هذا التجمعَ لتُظهر لنا ذوقَ عصمة الدولة.

“أراني الخواجة الحارس طريقاً مغطىً بالأغصان والأوراق. رفع بضعة أغصان، وأشار لي أن أكمل طريقي. عبرتُ الممرَّ، ووقفتُ أمام منظر محيِّر ومبهر. كلّ واحدة منا وقفتْ في مكان مخصص لها لمشاهدة الرقص الجماعي، كلّ واحدة مرتدية ثياباً فاخرة. في هذه المشاهد المنظمة بفنية كبيرة، كان على المخرجين تنظيم الأضواء لتُظهر ألوان الشرق اللامعة. التنظيم لمثل هذه المشاهد كان عادةً لافتاً للنظر بالنسبة لنا عبر ترتيب الأضواء على المسرح. كان المشهد تحت أشعة الشمس وسماء الشرق الفضية مذهلاً لا يمكن وصفه. لقد أدهشتني رؤية الأميرة محاطة بحلقة من النساء عددهن مائة. بعد الخروج من المكان وجدتُ نفسي في مكان يشع بالنور والحياة. لم أشكّ أنني حتى تلك اللحظة كنتُ خلف ستارة عادية تفصلني عن أجواء نساء سعيدات”.

في الصور التي بقيت من عصمة الدولة، يلفت انتباهنا تنورتها القصيرة وشارباها. في صورة أو صورتين هي واقفة مُسندة يدَها إلى درابزين حجري، وتبعد نظرتها عامدة عن عدسة الكاميرا. جسدها مكتنز، ووجهها شبيه لوجه ناصر الدين شاه.

تكتب سرنا عن مظهر عصمة الدولة: “وإن كانت الأميرة ما زالت شابة، إلا أنها تعتبر في أوروبا ضمن النساء الكبيرات في السن. وبقامتها القصيرة وجسدها الممتلئ تُعتبر بنظر الإيرانيين امرأةً جميلة. خطوط وجهها واضحة. عيناها سوداوان ولامعتان قاجاريتان. وجهها عريض أكثر مما هو دائري. فمها عريض جداً بأسنان عاجية تظهر أثناء ضحكها. شَعرها ناعم ترك ظلاً فوق شفتها، ومنحها مظهراً رجولياً. صدرها وذراعاها التي زينتها أقلّ من وجهها، تُظهر سمرةَ بشرتها أكثر”.

وكتبت  عن ثيابها

“طريقة ارتدائها للثياب مميزة جداً، خاصةً قُصر تنورتها العريضة المصنوعة من قماش ثمين هو أحمر مزخرف. قميصها برتقالي قصير غطى صدرها، ومزين باللآلئ. تلمع أساورها وعقودها ومجوهراتها المتنوعة تحت أشعة الشمس، وكانت الأميرة مضاءةً فيها. في حال أنّ ما يعيب هذه الثياب كان اللباس الأبيض الخشن”.

توفيت عصمة الدولة صاحبة الشهرة والثروة في عام 1905 إثر ابتلائها بالملاريا في مصيف سوهانَك بالقرب من طهران.

 

المصدر : رصيف 22

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + واحد =

إغلاق