مقالات

خيوط الذاكرة الفلسطينية -نسج سلمان ناطور -بقلم أنوار الأنوار كاتبة فلسطينية من الجليل

image

على مسرح الميدان في حيفا، وتزامنًا مع ذكرى النكبة الفلسطينية، أطلق الأديبُ الكبير سلمان ناطور في 16 مايو الجاري عرضَه لمونودراما “حدّثتني الذاكرة ومضَت”، في تجربةٍ تخلص للرواية الفلسطينية وتؤمن بمعركة الهوية والانتماء وحفظ الذاكرة وسط مساعي تزييف التاريخ ، وبأنّ الحكاية الإنسانيّة تحرج حتى أعداءها للاعترافَ بعدالة القضية.

بصدق مَن سكنَته الحكاية حدّ التماهي ، بعذوبة السهل الممتنع، انتشلَ سلمان ناطور تفاصيلَه من ذاكرةٍ لا تخون، جمعها من أفواه من عايشوها، ودوّنها في مجموعته، ثمّ على لسان شيخٍ مشقق الوجه حفرت السنون مساراتِها في روحه وملامحه وفي تهدّج صوته، ألقى بها إلى جمهوره، مدركًا بيقين الواثق أنّ أحدًا منهم لن يخرج من العرض كما دخل إليه، فما سيحمَّله لا يمكن أبدًا أن يكون عابرًا.
إنها حكاية الإنسان الفلسطينيّ ، ورواية النكبة الحقيقية، بتفاصيلها المنسيّة ، سكبها بأسلوبٍ جمعَ الشّجن بالضحكة، وأغرقَ البسمة بماء العين، لم يترك لجمهوره أن يضيع منه لحظةً، ولم ينسَ أن يلقيَ في آخر كلّ حكايةٍ بمفارقةٍ تجعل الدهشةَ باقية، والسؤالَ ملحًّا، لتبدوَ كلّ قصّة أشبه ببقعة ضوءٍ تسلّط النورَ على مشهد من مشاهد الشعب المنكوب.

ماذا يقول ناطور؟

يحملنا العرض بين حكايات مشوّقة ، منها مثلًا حكاية الفلسطينيّ “والخواجا”، بين ما يحدث من ارتباكٍ في مطار لندن، إذ يشكّ الإنجليز بحبّات الزعتر المطحون، وما يجري من منعٍ الفلسطينيين في بلادهم (48) من قطفه لتسويقه لهم بطريقةٍ مراوغة. يصبّ ناطور كلماته بأسلوبٍ فكاهيّ مرحٍ لا يخلو من المرارة، ولكنه يطرح بتلقائيةٍ أسئلتَه المحرجة في الاتجاهين:

“كيف الإنجليز الذين لا يفرّقون بين الزعتر والبارود استطاعوا أن يحكمونا ثلاثين سنة”؟
“ألأنّ الزعتر يقوّي الذاكرة يمنعه المحتلّ عنّا كي نحترف النسيان”؟

بذاك الصراع بين الفلسطينيّ المؤمن بالزعتر (والحياة) وبين المحتلّ المؤمن بالبارود (والموت)، وبتساؤل الهوية لمجابهة مشاريع طمسها وتزييفها ، يحمّل ناطور، أفكارَه للحكاية وأبطالها بسلاسته العميقة. مثلما فعل أيضًا في السؤال الذي ينبعث على لسان الحفيدة الطفلة، ويحمل في طياته أوجاعَ أجيالٍ حُمّلت أوزارًا تتوارثها، وفي مساءلة فرديّة جمعيّة موجعة: “لماذا لم تفعل شيئًا كيلا أولد في هذي الحرب”؟!

كما في سرده لحكاية بيت الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، حين يعود إليه الراوي ليجد عجوزًا يهودية جاءوا بها لتقطن فيه منذ عام 49. يسألها إن كانت تعلم من سكن هنا قبلها فتجيب: -عائلة من بولونيا، يقول: “بل كان هنا شاعر”.

-“شاعر من بولونيا “؟ تسأل العجوز.

-شاعر فلسطيني

-وفلسطين هذه في بولونيا؟

-فلسطين في الشرق الأوسط

-والشرق الأوسط في بولونيا؟؟ تتساءل العجوز الجاهلة للبركان المشتعل تحت قدميها، في إشارةٍ لأكذوبة “الأرض بلا شعب” ، وفي لذاعة الإشارة لكلّ ما يجري يجيبها صارخًا:
-الشرق الأوسط في جهنم الحمرا!!

ثمّ تندلع الصرخة الأقوى في حكاية عبد الحسن، ذاك البطل الذي سعى ضابطٌ لقتله، وجمع رجال القرية جميعًا في ساحةٍ، فرفضوا أن يدلّوه عليه، وحين أتت عجوز تحمل خبزًا وماء لابنها قلقةً عليه من وهج الشمس، وقالت بزهوّ إن ابنها هو البطل عبد الحسن، تركها الضابط تسير نحوه، دون أن تردعها نصائح الواقفين بالرجوع. وما أن بلغت ابنها حتى قتله. صار الجميع يوبخونها بأنها تسبّبت في قتله ، فحملت صرّتها وتاهت لا تلفظ إلا بالسؤال :”مين اللي قتل عبد الحسن”؟؟ كأن ناطور يغمز أننا لسنا أبرياء من دمنا، وأن الفلسطينيّ يحمل بعض وزر دمائه أيضًا إذ يتعلق الأمر بالجهل تحديدًا؟ فها هي أسمى العواطف وأصدقها لم تحمِ ابنًا من الموت، حين كانت العفوية سيّدة الموقف منّا، والحقد المحبوك سيّدَه لدى الآخَر.

عن العرض
لا شكّ أنّ فنّ المونودراما بشكلٍ عامٍ يحمل مغامراتٍ وتحدّيات تتطلّب من الممثل الوحيد على المسرح مواهبَ وقدرات ومجهودًا عاليا لجذب الجمهور وخلق كلّ العوالم التي تنصف المشهد المطلوب. ورغم أن ناطور ليس ممثلًا محترفًا، إلا أنه لم يكن بحاجة لمهارات تمثيل في الأداء، فالصّدق الذي يسكنه فيما يقول، والذي لا يختلف أبدًا عن مشروعه الأدبيّ والثقافيّ عمومًا، جعله غنيًّا عن مجهودٍ يبذله فنان آخر ليتماهى في الشخصيّات، فإذا ذاك الشيخ مشقق الوجه لم يفتعل شيئًا فيما قال، بل بعثه صادقًا يشبهه، فنفذ صادقًا إلى متلقّيه، ولكن يظلّ السؤال : ما الذي أضافه العرض المسرحي لحكاية رحلة الصحراء ولما اعتاد سلمان ناطور تقديمه؟

إذا لم نكن مبالغين لندّعي أنه كبّله وقيّد انسيابه وتحرّره في الحكاية، فعلى الأقلّ أدّعي أن العرض لم يُضِف شيئًا لما اعتاد أن يقدمه كاتبنا في أمسياته وتفاعله مع أيّ جمهورٍ لديه. .

كنتُ قد أدرتُ ندوةً إحياء لذكرى يوم الأرض في مارس 2014 في قرية جليليّة، حاورتُه فيها حول كتابه “ذاكرة” والذي يقوم عليه جزءٌ أساسيّ من سيناريو العرض الجديد.

كان منسابًا ومنطلقًا في حكاياته ونجح أن يجذب الجمهور المتنوّع ضاحكين وباكين . تمامًا كما فعل في هذا العرض؛ ولكنه فعله هنا وحيدًا وحمل على ذاته كلّ ما يتطلب أن يقوم به طاقم مسرحيّ بأكمله. إذ ظهر شبه أعزل من الخلفيات وكأن الإخراج ترك له مسؤولية خلق العوالم كلها وسط ديكور ضحلٍ فقير لم يسهم في إثراء الصورة، وموسيقى غائبة معظم الوقت. ألم يكن لنا أن نرى خلفيةً للمسرح تصاحب هذي الحكايا وتثريها أو نسمع إضافات موسيقية ومؤثّراتٍ صوتية تغني المشهد بدل أن يكون الراوي وحيدًا في أداء كلّ المهام؟! خاصّةً ونحن أمام “شيخ عجوز”، لن تسعفه مهارات الحركة الجسديّة ولن يجديَه أن يعتمد عليها. سؤال نوجّهه للطاقم المصاحب، خاصّةً أننا أمام مُخرج له تجربته الواسعة والعريضة في المسرح كالفنان أديب جهشان.

باختصار : إننا أمام نصّ مكثّف وعميق، بأداء متميز صادق ونافذ، وصوَرٍ حيّة نابضة، وإخراجٍ للأسف لم يرتقِ إليها، وموسيقى وديكور شحيحَين حدّ الغياب .

ختامًا:
مثل هذا العرض، شمعةٌ تضاء لا في سبيل حفظ الذاكرة الفلسطينية وحسبُ، بل ولترجمة تفاصيل إنسانية تحكي للعالم عدالة هذي القضية ، إذ سجّل ما يغيب عن المؤرّخ والسياسيّ ، وانتصر لرواية الإنسان ، في مشاهد تنسج معًا لوحةَ كولاج النكبة الفلسطينية من زاوية رؤيةٍ إنسانيّة تأمّلية، خالية من المزاودات والشعارات، تعجّ بالإشارات لمن شاء أن يدرك. هو صوت الإنسان بالتفاصيل التي يخونها المؤرّخون، فتفيها ذاكرة الأديب الروائيّ، والممثّل الحكّاء . بلسان حالٍ يذكّرنا بقول للشاعر الفلسطينيّ الراحل يوسف الخطيب :
” فإن قال بعضهم إنّ العدلَ والظلمَ مفهومان نسبيّان، فلعلّي من أكثر خلق الله إدراكًا لاحتمال أن تحمل الحقيقة الواحدة ألفَ وجهٍ مختلف، ولكنني أدرك في الوقت ذاته وبالقدر نفسه، أنّ الحقّ ليس له إلا وجهه الواحد الأحد” .

مقالات ذات صلة

إغلاق