اقلام حرة

العجز السياسي الداخلي الإسرائيلي وانعكاساته على القضية الفلسطينية.

طيلة أكثر من سبع عقود والمعاناة تتزايد على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية بسبب غياب الأفق السياسي والذي يُلازمه شعارات مع هبوط حاد في التطبيق وعجز التوازن بين الشعار والتطبيق فالأحداث الفلسطينية تتوالى يوم بعد يوم، والمُتابع للقضية الفلسطينية يشعر بالإحباط البالغ لأنه يعلم ان جميع الشعارات والعواطف المحلية لا تخرج عن دائرة الهموم الكلاسيكية المعتادة التي سأم منها الشعب الفلسطيني، فهي شعارات مجرد كلام للاستهلاك الاعلامي وتكتيك خداع ونصوص جوفاء كالقرع الذي جف لبه فلا فائدة منه سوى الزينة دون جوهر حقيقي.
خلال الأسابيع الماضية شهدت الضفة الغربية أياماً عصيبة ولا يعلم أحداً ما سيجري، فهل القادم سيستمر كما الوضع الراهن أم سيحمل نتائج إيجابية أم سلبية؟ لكن اذا دخلنا في عمق الأزمة السياسية الداخلية الاسرائيلية التي يُعاني منها الائتلاف بقيادة بينيت والتي ينعكس آثارها على القضية الفلسطينية يعلم المُتابع للمشهد الاسرائيلي أن القادم لا يحمل أي أُفق ايجابي بل العكس سيحمل تارة البقاء على الوضع الراهن وتارة أُفق سلبي أقل من الحفاظ على الوضع الراهن لكسب الوقت واستنزاف الحالة الفلسطينية في التفكير بالحل المطلوب بهل يُطبق قرارات المجلس المركزي أم يبقى ينتظر أوهام الإدارة الامريكية وكسب الوقت لصالح الاحتلال للاستمرار في عمليات التصعيد والاستيطان وتهويد القدس وتوحيد شطريها الغربي والشرقي.
ان الأزمة السياسية الاسرائيلية التي يعاني منها الكنيست الاسرائيلي ستستمر نتيجة صعوبات بقاء الائتلاف بعد استقالة ” عديت سليمان ” حيث بات الائتلاف يتمتع بتأييد 60 نائباً فقط في الكنيست وهذا الأمر أمام المعارضة لن يتم تمرير أي قانون لأنه يتطلب أي موافقة وجود 61 نائباً على الأقل وهو ما يعني ان الائتلاف الحالي مصاباً بالشلل عمليا، ناهيك على ان اداء الحكومة الحالية خلال الفترة الماضية التي قضتها في السلطة لم تكن ضمن توقعات الشارع الاسرائيلي لأكثر من سبب:
أهمها تدهور الأوضاع الأمنية في الداخل الاسرئيلي خلال الفترة الماضية، واستمرار أزمة عرب الداخل أمام سياسة التمييز العنصري بين العرب والاسرائيليين، وكما أن الحكومة الحالية عجزت عن حل تداعيات الناحية الاقتصادية وأمام رفع الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة للمجتمع الاسرائيلي، لذا يفتقد الائتلاف الحالي إلى التأييد الشعبي وبات وجودها مجرد وقت، ولن يستطيع المعارضين بقيادة نتينياهو تشكيل حكومة لأنه يعاني أيضاً من أزمة داخلية بتشكيل حكومة بديلة لأنه يمتلك حالياً اذا توحد اليمين المتطرف والمتدينيين 53 مقعداً ولن يستطيع جذب القائمة المشتركة الممثلة ب6 مقاعد وأي عضو يميني آخر من ائتلاف بينيت لاستكمال المقاعد 61، لذا سيناريو حدوث انتخابات مبكرة هو المرجح ولكن الامر مسألة وقت، وإن حدثت انتخابات مبكرة لن يحل الصراع العربي- الاسرائيلي بل العكس سيزداد سوءاً وبالتحديد في “الداخل الفلسطيني” والذي ينعكس على حال الضفة الغربية والقدس وغزة، لعدة أسباب:
• واقع الصراع الفلسطيني_ الاسرائيلي ينطوي على عناصر متعددة يصعب التنبؤ بالمستقبل المنظور كون الصراع مرتبط دولياً واقليمياً وحال الشرق الأوسط الجديد.
• وبما ان اسرائيل قاعدة عسكرية متقدمة فالتوازن الديني والعلماني واليساري واليميني المتطرف داخلها سيستمر في حالة من الصراع الداخلي عدا التوازن الامني والعسكري المُتفق عليه سياسيا دولياً واقليمياً للحفاظ على الامن القومي لاسرائيلي وللحفاظ على استقرار حالة الامن للقاعدة العسكرية المتقدمة الاميريكية ممثلة “باسرائيل” في الشرق الاوسط دون حل الصراع الديني والذي ينعكس على بقاء الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي ليبقى في حال عدم التوازن الا في حال تغير حال موازين القوى من قوة وقطب واحد الى قطبين وهذا ما قد يكون من نتائج الحرب الاوكرانية_ الروسية.
• الاستقرار السياسي سيظل غائباً عن اسرائيل لفترة طويلة مقبلة وقد تدخل ضمن سياق حكومات متنقلة بسبب عجز الناخب عن اختيار احزاب قادرة على تشكيل حكومة مستقرة، الامر الذي سينعكس على استقرار حالة الصراع الفلسطيني _ الاسرائيلي تارة ببقاء الحالة كما هي وتارة للاسوأ دون حل سياسي للواقع الفلسطيني.
• كما ان صراع الاديان في منطقة الشرق الاوسط هو المرجح لاستمراره في المنطقة وهو ما ينعكس على القضية الفلسطينية بعدم ايجاد حلول لها.
• كما أن اتفاق أوسلو لمن لا يعلم بنود الاتفاق واقعياً نص على أن الأراضي الفلسطينية هي ليست محتلة وإنما أراضِ متنازع عليها ولذلك لم تعطي اسرائيل للفلسطينيين إلا حكماً ذاتياً وهذا ما نص عليه اتفاق أوسلو، وبما أن الاراضي الفلسطينية غير مُعترف فيها من اسرائيل في اتفاقية اوسلو ومتنازع عليها فأي تأخير في عملية الاعتراف فيها بأنها محتلة فان اسرائيل كجانب قوي ستكسب الوقت لأخذ الارض لذلك بعد هذه الفترة لم يتبقى شيء من الأرض لحل الدولتين.
محاور خروج من المأزق:
إن اولى تلك المحاور هو محور الاقتصاد ففي الآونة الاخيرة يشهد الاقتصاد الفلسطيني تراجعاً ملحوظاً نتيجة وجود الاحتلال الاسرائيلي وافتقار الشعب الفلسطيني الى موارد يستغلها لصالحه الانتاجي ناهيك عن حال الحكومة الفلسطينية وعدم قدرتها على إدارة الأزمة الإدارية والاقتصادية الخانقة. ولكن يستطيع الشعب الفلسطيني ان يحول اقتصاده الهش الى اقتصاد قوي وذلك باستغلال المورد الوحيد الذي بين يديه الا وهو المورد البشري، فاستغلال هذا المورد باستراتيجية بحيث تكون بمثابة الاطار العام للأفكار والمبادرات التي من شأنها تستطيع تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق التوازن بين قطاعاته، فتطوير العقول البشرية هي العملية العالمية لاقتصاديات قوية والسبيل الوحيد لتحقيق تنمية مستدامة. فوجود خبرات وطاقات بشرية تدعمها الارادة والتصميم سيدفع الاقتصاد الفلسطيني نحو الاستدامة والاهم من ذلك دعمها برؤية وقيادة حكيمة تستغل تلك المهارات وعقول ابناء الشعب الفلسطيني. ومن المهم توحيد السياسات الاقتصادية والتخلص من اتفاقيات باريس الاقتصادية التي عفى عليها الزمان، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب ووضع خطط تقوم على اشراك كافة الامكانات والطاقات الاقتصادية والبشرية. فاستغلال المورد البشري وبالذات نحن في ظل شح في الموارد الطبيعية يستطيع من خلاله ارساء قواعد اقتصاد قوي ومن ثم يتبعها استثمارات قوية وإنتاج ذاتي يرسم قواعد للدولة الفلسطينية.
أما المحور الثاني للتحرر هو العلم كأحد اعمدة بناء المجتمعات ويساعد على النهوض في الامم المتأخرة وتقضي على التخلف والرجعية والفقر والجهل والأمية وهو مقوم اساسي للحياة. ولكن صفة العلم الذي يحرر البلاد هو العلم الحديث فالتحول من مرحلة العلم التلقيني الى مرحلة العلم البحثي هنا ستتغير الموازين. وترك العلم التاريخي والاعراف والتقاليد غير المفيدة التي يتداوله الاجيال الى علم قائم على الابحاث العلمية وخلق روح الابداع والحرية الفكرية واستخدام برامج تشجع العلم الذي يواكب العصر الحديث وان يكون غرض العلم البحثي التحكم بعناصر الطبيعة واستغلالها لصالح الانسان الفلسطيني والاهتمام بالطلاب وإخراج كوارد قادرة على التطور الذي يواكب الامم المتقدمة.
أما المحور الثالث حل الشرخ القائم بين فصائل المجتمع الفلسطيني والذي يُمثل شرخاً فكرياً وايديولوجياً وسياسياً وبرنامجياً وهذا ما دمر المجتمع الفلسطيني وابتعد عن التحرر الحقيقي لاستكمال المشروع الوطني على ارضه وعاصمته القدس .
خلاصة: من المهم إيجاد هوية سياسية فلسطينية موحدة لكافة الاطياف والالتفاف حول استراتيجيات لتعزيز موازين القوى على الصعيد الوطني والعربي والدولي. فالهوية الموحدة تحافظ على العمق التاريخي للقضية الفلسطينية وتقف ضد الهجمة الصهيونية التي تسرق الارض والعرض. فتفعيل المؤسسات الفلسطينية بدءاً من منظمة التحرير الى اصغر مؤسسة فلسطينية وإصلاحها ودرء الفساد عنها، وتطوير المناهج والتركيز على البحثية والإبداعية وإتباع منهج موحد مقاوم بدءاً من التراث الى الاقتصاد الى المناهج والإبقاء على النجاحات الجماعية حينها ستتحرر البلاد، والابتعاد عن النجاحات الفردية فهي ليست مقوم حقيقي للنجاح والتحرر الفعلي. كما ان التغيير الجذري اذا ما صاحبه منهجاً عملياً فهو كأضغاث احلام لا يخرج عن منطق العاطفة وكأنه يسري في ادراج الهواء المنثور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 − 11 =

إغلاق