مقالات

الاعتدال أساس الخطاب الديني المسيحي الاسلامي بقلم: د. حنا عيسى – أستاذ القانون الدولي

تتحمل دور العبادة من كنائس ومساجد مسؤولية كبيرة في قيادة المجتمع المدني، فالأديان يجب أن تتحالف وتكرس خطاب ديني موحد من أجل وضع أسس أخلاقية وروحية مشتركة، وهذا التحالفوالخطاب يجب ألاّ يرمي إلى تصادم، بل يهدف إلى تحرير الإنسان وتحقيق الخير له في مختلف القطاعات ونواحي الحياة، اضافة لنشر الثقة والمسامحة والتضامن، كما عليه أن يسمو إلى تجدد روحي وأخلاقي، بعيدًا عن العنف والكراهية.

إن أهمية الخطاب الديني تنبع من تعريف الانسانسر وغاية وجوده في الارض، ومن أين، وإلى أينيسير، ولماذا؟، ومختلف الاديان السماوية كلها تؤكد أن سر وجود الإنسان أن يعبد الله، والعبادة في أدق تعاريفها هي “طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية”، فالخطاب الديني يجب أن يبني الإنسان المؤمن على فهم عميق، ونظرة موضوعية، فهي قيمة علمية، وأن نجعله يتمسك بالخلق، لأن الإيمان هو الخلق، والأنبياء جميعاً إنما بعثوا ليتمموا مكارم الأخلاق، فكلمة مؤمن تعني أنها مرتبة علمية، وخُلقية، وجمالية، ويجب لهذا الإنسان الذي يعبد خالق الأكوان أن يؤمن بكل خلية في جسمه، وبكل قطرة في دمه أن الإنسان أخو الإنسان.

كما إن الأصل في الخطاب الديني هو الاعتدال، لكن طرأت على الأمة مراحل علا فيها أصوات التطرف، والمجتمع الانساني بطبيعته يوجد فيه المتطرف والمعتدل حسب ظروف ونفسيات تتعلق بالمتطرف والمعتدل نفسه، لكن في حالة استقرار الأمة فإن أصحاب الغلو لا يجدون مجالاً للتمدد في مساحة الأمة، بل ينحصرون على أنفسهم ويتبوتقونبحيث لا يكون لهم أثر على واقع الأمة، إلى أن تمر الأمة بمراحل ضعف، فإذا مرت الأمة بمرحلة ضعف بدأت فرصة التمدد للآراء الشاذة استغلالاً للضعف، فالمتشدد لا يمكن أن يستمر، فالتطرف والتشدد بطبيعته منفر، والاعتدال هو الأصل في الخطاب الديني المسيحي الاسلامي  .

ويجب اعتماد الاعتدال كأساس مهم في الخطاب الديني، اضافة لنبذ التطرف للمساعدة في البناء بدلا من التهديم، حيث يجب أن يركز الخطاب الديني على الإرشاد والتوجيه بدلاً من التحريض والتخوين، فثقافة العنف لا يمكن أن تساعد في البناء، فوضع خطاب ديني معتدل يؤدي بالنهاية الى عدم التشدد والفوضى والشتائم والسباب ونبذ الآخر والإساءة إليه، وبالتالي الحفاظ علىالمصلحة العامة، والحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي، ووأد الفتنة الطائفية من خلال خطاب ديني متزن معتدل.

وهناك العديد من الاسباب التي تدفع بالفرد الى الغلو والتطرف في دينه، والتي يجب ان يتم معالجتها للنهوض بمجتمع معتدل ومتزن، منها غياب القدوة داخل الأسرة؛ حيث أن الشاب ينشأعلى سلوك أبيه ويقلده في طريقة كلمه وتفكيره؛وبالتالي ينعكس في خطابه. ومنها الخلل فيمناهج الدراسة خاصة العلوم التطبيقية التي لا تنتهي مقرراتها بزرع الخشية وحقائق اليقين فينفوس الطلاب. ومنها التعصب للجماعة أوالطائفة، والخطاب الديني العاطفي غير المبنيعلى علم ومعرفة.

ومن الأسباب الدافعة للغلو والتطرف في الدين هواليأس والقنوط بسبب الفشل في غايات وأهدافتتعلق بضرورات الحياة، حيث يجد في الخطاب الديني متنفساً ووسيلة للتعبير عن الكبت والحرمان. وأيضا النشأة الأسرية المنحرفة، حيث في الغالب يكون الشخص المتشدد في خطابه الديني بكل أنواعه قد نشأ في أسرة تحيط بهاالمشاكل في جو بعيد عن العلم والمعرفة والسلوكالمنضبط. هذا إضافة ان الفاقد التربوي يعتبر سببنفسي قوي؛ حيث أن العلم والمعرفة والذكاءوالفطانة يجنبان الشخص التشدد والغلو والتطرف.

ولبناء خطاب ديني معتدل، فإنه يتوجب إصلاحمناهج التعليم عن طريق التأصيل للعلوم والمعارفالطبيعية، والعمل على تقديم القدوة الصالحة فيالخطاب الديني بمختلف أنواعه من قيادات لهاكالرزمة، والقيام بإدخال الوسائط الحديثة فيه، وحث الأذكياء على الخطابة وذلك بالالتحاقبالمعاهد الدينية ولو بعد التخرج، والعمل علىمعالجة الخطاب الديني بالفكر وليس بالعنف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 16 =

إغلاق