
في لحظةٍ يتداخل فيها الفرح بالرهبة، تقف العروس أمام مرآتها كحلم ارتدى البياض. الأبيض ليس لونًا فحسب بل وعدٌ لبداية جديدة ونبض قلبٍ يستعد لوداع بيتٍ احتضن طفولتها، وخطوةٍ أولى نحو عالمٍ لم تطأ بعد إلا بالأمل.
تتهيأ لا بثوبها فقط، بل بروحٍ تعلم أن بعض الرحيل ولادة أخرى.
لتنتقل إلى عشّ الزوجية، وتدخل بيت أهل العريس بخطواتٍ بطيئة كأنها تعدّ الوداع عدّا. طرحتها المتدلية تنسدل خلفها كبساطِ ريحٍ أبيض، تحمل آثار بيتٍ عرفت فيه الضحكة الأولى والدمعة الأولى. يمسك إخوتها بيديها والوردة في يدها، ويدها مرفوعة فوق رأسها، كأنها ترفع الراية البيضاء، تعلن أنها تدخل بقلب أبيض.
وإخوتها يمسكون بيديها لا ليقودوها بل ليتشبثوا بلحظةٍ يعلمون أنها لن تتكرر
فتمضي نصفها فرحٌ مقبل. ونصفها حنينٌ يلتفت خلفه في صمت، وضمة الورد في يدها، تقبض عليها بأصابٍع مرتجفة، بين توتر يسكن نبضها وأعصاب مشدودة تخفي خلفها ألف سؤال.
شعور مختلط يزاحم قلبها، خوفٌ خجول من مستقبٍل مجهول، وحبٌ دافئ لحياة جديدة تفتح أبوابها لها على استحياء.
ويستقبلها أهل العريس بالأغاني والزغاريد، فتتعالى الأصوات فرحًا، كأن الجدران تحفظ هذا اليوم لترويه لاحقًا. يقدّمون لها العجينة المخلوطة بالطحين والحنة والورد.
طقسٌ قديم يحمل دعاًء صامتًا بأن تكون أيامها سعد وقدمها ليّن كالعجين حلوة كالسكر ومعطرة مثل الورد، والحنّة تمتزج مع العجين ولونها يفيض بالرمز
والبركة. وتقف العروس جهة اليمين من الباب، ترفع يدها بثباتٍ يشبه الدعاء، وتلصقها على جانب الباب، كأنها تترك أثر قلبها قبل أن تعبر وتعلن أن هذا المكان بات شاهدًا على بدايتها الجديدة.
هذه الطقوس، بكل تفاصيلها الصغيرة، متوارثة من جيلٍ إلى جيل.
تحفظها الذاكرة الشعبية كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. عادات راسخة في بلاد الشام وفلسطين، لا تمارس احتفالًا فقط، بل وفاًء للجذور، وتأكيدًا أن الفرح حين يشارك يصبح إرثًا لا يزول. وحسب الروايات والعادات المتناقلة، تعود جذور هذه الطقوس إلى اعتقاٍد شعبي قديم يروي أن السيدة مريم العذراء كانت أول من وضعت الحنة والورد على باب الزوجية حين زُفّت إلى يوسف النجار.
ومن هنا حمل هذا الموروث معناه الرمزي تفاؤلًا بالرزق والبركة وتثبيتًا لقدم العروس في منزلها الجديد لتكون خطواتها فيه مباركة وأيامها عامرة بالخير والطمأـنينة. ومن جمال تراثنا أغنية كانت تتغنّى بها النساء قديمًا، يرددنها بصوتٍ جماعي يختلط بالزغاريد والدعاء.
كن يغنين”
“قدمها طاسة الفضّة قدمها” “وعلى باب دارها حطها”
“يا رب تكون أيامها سِتر “والخير يمشي قدّامها”
“قدمها وسّمي بالرحمن” “والحنّة تزهي بالأعتاب”
“رزقٍ واسع وبيتٍ عامر” “وخطوة مباركة للأحباب”
“قدمها طاسة الفضّة قدمها”
وكأن الفضّة رمزٌ للنقاء، والخطوة دعوةٌ بأن تكون مقدمة العروس خيرًا وأن يدخل الفرح معها في بيتها الجديد ودوام العشرة
قلم ازدهار عبد الحليم
الكيلاني
