الرئيسيةشعر وشعراءمقالات
قراءة نقدية للدكتورة فاطمة ابوواصل اغبارية لقصيدة “قَلْبِي وقَلبُكِ في العِناقِ خَيَالًا” للشاعر الهندي أ د عبد الله السلّمي
قَلْبِي وقَلبُكِ في العِناقِ خَيَالًا
يَا لَيْتَنا كُنّا كَذاكَ وِصَالًا
أَم تكْرَهِينَ لِذاكِ قُولي لَيِّنًا
حَقًّا نكُونُ وليْسَ ذَاكَ دَلالًا
والقلْبُ يَنْبضُ والفُؤَادُ مُزَلْزَلٌ
وَخَواطِري تهْفُو أتُوقُ نَوَالًا
وكَتبْتُ صَفْحَاتٍ قَرَأتِ مُتُونَها
لَا لَسْتِ سَطْرًا قِطْعَةً ومَقالًا
أأَلُوذُ مِثْلَكِ بالسُّكُوتِ كأنّنِي
حَجَرٌ أَصَمُّ ، ذاكَ صارَ مُحَالًا
قَلْبِي جَزُوعٌ أوْ صَبُورٌ إنّني
سِيّانِ عِندِي صَرْعَةً وخَبالًا
فِي نَاظِري كلُّ الحِسَانِ دَمِيمَةٌ
إلَّاكِ أنتِ رَفاهَةً وجَمالًا
وَجَمالُ عَينِكِ كالجَمالِ بخَدّكِ
شَفَتاكِ مَا أحْلاكِ ذا وَجلَالًا
هُدْبٌ وحَاجبُكِ كصَفْصَافٍ كَما
يَصْطَفُّ ظِلًّا حَوْلَهُ وظِلَالًا
وجَعَلْتُ قَلْبِي خَيْمَةً لِيُقيمَ فِي
جَوْفِي كِيانُكِ هَلْ عَزَمْتِ زَوَالًا
أ د عبد الله السلّمي
قراءة نقدية أكاديمية لقصيدة
«قلبي وقلبكِ في العناق خيالًا»
للأستاذ الدكتور عبد الله السلّمي
أولًا: المدخل المنهجي
تندرج هذه القصيدة ضمن الشعر الغزلي الوجداني ذي النزعة الكلاسيكية، غير أنّها لا تقف عند حدود الغزل الوصفي التقليدي، بل تتجاوز ذلك إلى بناء خطاب شعري نفسي–وجداني، يُعيد تشكيل العلاقة بين الأنا والآخر بوصفها علاقة داخلية قائمة على التماهي لا على التملّك.
وتعتمد القراءة الراهنة على المنهج التحليلي النصّي، مع الإفادة من مقاربات بلاغية ودلالية وإيقاعية.
ثانيًا: البنية الدلالية والرؤية الفكرية
يقوم النص على ثنائية مركزية هي:
الخيال / الواقع، وتتفرّع عنها ثنائيات أخرى مثل:
- القول / الصمت
- الوصال / الامتناع
- الثبات / الاضطراب
يفتتح الشاعر القصيدة بإعلان الطابع المتخيَّل للعلاقة:
قلبي وقلبكِ في العناق خيالًا
فالوصال هنا ليس حدثًا واقعيًا، بل حالة ذهنية وشعورية، وهو ما يمنح النص بعدًا تأمليًا لا عاطفيًا صرفًا. ويتحوّل الخطاب من التمنّي (يا ليتنا) إلى التساؤل (أم تكرهين)، بما يعكس قلق الذات العاشقة إزاء موقف الآخر، دون أن يسقط في الاتهام أو الادّعاء.
ثالثًا: الأنا العاشقة وبناء الخطاب
تظهر الأنا في القصيدة بوصفها:
- واعية بذاتها
- مترددة
- قلقة من الصمت بقدر قلقها من البوح
ويتجلّى ذلك في قوله:
أألُوذُ مثلكِ بالسكوت كأنني / حجرٌ أصمّ، ذاك صار محالًا
فالسكوت هنا ليس فضيلة، بل نقيض للكينونة الإنسانية. ومن ثمّ، يصبح البوح ضرورة وجودية لا ترفًا عاطفيًا.
كما يلفت النظر تصريح الشاعر:
قلبي جزوع أو صبور إنني / سيّان عندي صرعةً وخبالًا
وهو تصريح يكشف حالة تسوية نفسية بين الألم والتحمّل، بما يدل على استغراق كامل في التجربة العاطفية.
رابعًا: الصورة الشعرية والنسق البلاغي
تعتمد القصيدة على صور تنتمي في معظمها إلى التراث الغزلي العربي (العين، الخد، الشفاه، الهدب)، غير أنّ الشاعر يوفّق في توظيفها ضمن سياق غير مبتذل، بفضل صدق العاطفة وتماسك البناء.
غير أن الصورة الأكثر كثافة دلالية هي:
وجعلتُ قلبي خيمةً ليقيمَ في / جوفي كيانك
إذ تنتقل الصورة من الوصف الخارجي إلى الاستعارة الوجودية، حيث يتحوّل القلب إلى فضاء احتواء، وتتحوّل المحبوبة إلى كيان مقيم لا طيف عابر. وهذه الصورة تمثّل ذروة النص من حيث العمق الدلالي.
خامسًا: الإيقاع والبناء العروضي
يلتزم الشاعر بنظام القصيدة العمودية، مع قافية موحّدة قائمة على الألف الممدودة (خيالًا، وصالًا، دلالًا…).
ويُسهم هذا الامتداد الصوتي في:
- تكريس الإحساس بالحنين
- تعزيز حالة التوق وعدم الاكتمال
غير أنّ انتظام الإيقاع، على جماله، يظل محافظًا تقليديًا، دون مغامرة إيقاعية واضحة، وهو خيار فني يُحسب للنص من حيث الاتساق، وإن كان يحدّ من عنصر المفاجأة.
سادسًا: القيمة الفنية والملاحظات النقدية
نقاط القوة:
- وضوح الرؤية العاطفية
- تماسك البنية الدلالية
- لغة فصيحة رصينة
- توظيف واعٍ للتراث الغزلي
ملاحظات نقدية:
- غلبة الصور المألوفة في بعض المقاطع
- تفاوت في كثافة الدلالة بين الأبيات
- محدودية الانزياح الأسلوبي الحديث
خاتمة
تمثّل هذه القصيدة نموذجًا لشعر غزلي واعٍ بذاته، يكتب الحب بوصفه تجربة داخلية عميقة لا مجرّد افتتان شكلي. وهي قصيدة تحافظ على الوفاء للنسق الكلاسيكي، مع انفتاح محسوب على البعد النفسي والوجودي، مما يمنحها قيمة أدبية واضحة في سياق الشعر العربي المعاصر
