نشاطات

” حوار الصوم بين الإسلام والمسيحية قواسم مشتركة وتجارب روحانية “

د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

الصيام هو جسر روحي يجمع بين الأديان، حيث يمثل فرصة للتقرب إلى الله عبر الامتناع عن الملذات وتزكية النفس ويحمل في جوهره رسالة إنسانية وروحية راقية تتعدى الحدود الدينية والثقافية، وهو بمثابة جسر يربط

ما بين البشر على اختلاف معتقداتهم، حيث يعكس الحاجة المشتركة للتقرب من الله وتنقية الذات من شوائب الملذات الدنيوية. سواء كان في الصوم الكبير
لدى المسيحيين أو في شهر رمضان لدى المسلمين،
يبدو هذا الرابط الروحي جلياً، إذ تشترك هذه الفترات المقدسة في كونها مواسم للتأمل الداخلي، التطهير المعنوي، وتجديد الالتزام بالقيم الإنسانية التي تدعو إلى الخير والمحبة.

يمثل الصوم الكبير للمسيحيين فرصة ثمينة للتواضع والتفكر، حيث يتمحور حول الابتعاد عن الزخم المادي والتركيز على التضحية والمحبة. يستلهم المسيحيون خلال هذه الفترة من حياة السيد المسيح وتعاليمه التي عكست روح الإيثار والتواضع، فيسعون إلى التخفيف من التعلق بالمظاهر الدنيوية وإعلاء الشعور بالإنسانية والروحانية. وعلى ذات المسار، نجد شهر رمضان عند المسلمين مُحمَّلاً بمعانٍ غنية، فهو لا يُختصر في الامتناع عن الطعام والشراب بل يُعبر عن دعوة للتعاطف مع المحتاجين، والشعور بمعاناتهم، وتقدير النعم المختلفة التي ينعم بها الإنسان. يعكس شهر رمضان كذلك قيم الصبر والرحمة والمغفرة، موضحاً كيف يمكن للصيام أن يكون طريقة للتواصل العميق مع النفس ومع الآخرين ومع الله.

التأمل في هذا التشابه بين الصيام المسيحي والإسلامي يقودنا لتلمس رسالة عالمية تتمحور حول الوحدة الإنسانية. فبغض النظر عن الاختلاف في الطقوس والشعائر، نجد أن القيم الأساسية التي يبثها الصيام تتشابه إلى حد كبير؛ إذ تجمع بين تعزيز الصفاء الداخلي وتقوية الروابط مع الآخرين عبر المحبة والرحمة والتسامح. إنها دعوة إلى تخطي الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية، وبناء جسور من التفاهم المشترك التي تُثري التعايش الإنساني.

وفي عالم يواجه تصاعد التوترات والانقسامات على مختلف الأصعدة، تحمل هذه الفترات المقدسة رسالة أمل للبشرية بأسرها. إنها فرصة لنتعلم كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز طبيعته المتقلبة وأن يتصل بجوهره الطيب الكامن داخله. فالصيام لا يتوقف عند كونه عبادة روحية بل هو أداة لإعادة البناء الداخلي ولإحياء الأواصر الاجتماعية بين الأفراد والجماعات.

لذا، فلندعُ بقيمه ومعانيه إلى تعزيز ثقافة الإخاء والتعايش والسلام، ولنحاول أن تكون هذه الفترات مناسبة لتأمل أوسع حول دورنا كأفراد في إرساء المحبة في مجتمعاتنا. الرسائل السامية التي يجسدها الصيام تدعو إلى رفض الكراهية والفرقة وتحثنا على السير نحو مستقبل تُبنى فيه العلاقات الإنسانية على أسس الاحترام المتبادل والتفاهم الصادق. ففي نهاية المطاف، القيم التي يوحدنا الصيام على دروبها هي التي تسمو بنا فوق الفروق وتضع الإنسانية بأكملها في دائرة واحدة من النقاء الروحي والمحبة الخالصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى