
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد،،
إن شهر رمضان المبارك ليس مجرد شهر للإمساك عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إلهية كبرى تهدف إلى تزكية النفس البشرية والارتقاء بها إلى مراتب التقوى. وقد جعل الله سبحانه وتعالى من هذا الشهر زماناً لاقتران الصيام بالقرآن، حيث قال في محكم تنزيله: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ» (البقرة: ١٨٥). ومن هنا ندرك أن الغاية من الصيام هي تهيئة القلب لاستقبال أنوار الوحي وتدبر آياته.
لكي يحقق المؤمن الاستفادة القصوى من هذا الموسم العظيم، لا بد له من بناء علاقة وطيدة مع كتاب الله تقوم على أسس متينة أوجزها العلماء في ستة واجبات أساسية:
أولاً: الإنصات وحسن الاستماع؛ فالقرآن كلام الله المعجز، وأدب الاستماع إليه هو مفتاح الرحمة، لقوله تعالى: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ». والبداية الصحيحة تكون بالاستعاذة بالله من الشيطان ليكون القلب حاضراً مع الخالق.
ثانياً: الترتيل والإتقان؛ فالقرآن لا يقرأ هذّاً كـهذّ الشعر، بل يرتل ترتيلاً كما أمر الله نبيه ﷺ في سورة المزمل. الترتيل يساعد على تدبر المعاني، وفهم مقاصد الآيات، والوقوف عند عجائبه، وتجنب اللحن والخطأ الذي قد يغير المعنى المراد.
ثالثاً: الحفظ والاستظهار؛ إن حفظ القرآن في الصدور هو إحدى وسائل حفظ الله لهذا الدين. فالمؤمن الذي يحمل القرآن في قلبه يحمل معه دستوراً حياً يوجه سلوكه في كل وقت وحين، وهو أمان للبشرية في حال فُقدت المصاحف المكتوبة.
رابعاً: التلاوة والاتباع؛ فكلمة “تلاوة” في اللغة تأتي بمعنى “الاتباع”. فمن يتلو القرآن حق تلاوته هو من يتبع أوامره ويجتنب نواهيه. وقد حذرنا القرآن من هجران الكتاب، وصور لنا مشهداً مهيباً لشكوى الرسول ﷺ لربه من الذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً.
خامساً: التدبر والتفكر؛ وهو الغاية من الإنزال. فالله ذم الأقفال التي توضع على القلوب وتمنعها من فهم مراده. التدبر هو الذي يغير السلوك، ويحيي الإيمان، ويربط العبد بخالقه من خلال فهم آيات الكون والنفس.
سادساً: البلاغ والدعوة؛ إن من يحمل نور القرآن لا ينبغي له أن يحبسه عن الآخرين، بل الواجب هو إيصال هذا المنهج الرباني للناس كافة، والثبات على هذا الحق بالاستقامة والعمل الصالح، والتبشير بجنات النعيم لمن استقام على شرع الله.
وفي الختام، إن شهر رمضان هو الفرصة الذهبية لترسيخ هذه العلاقة مع القرآن. فإذا اجتمع صيام الجوارح مع حياة القلب بالوحي، نال العبد شفاعتهما يوم القيامة؛ فالصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم الزحام. نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.



