
قد أعلن الله عز وجل في كتابه العظيم بإعلام كوني حاسم: {أَلر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم: 1). إنها رسالة واضحة المعالم؛ هذا الكتاب لم ينزل ليكون تميمةً للتبرك أو ترانيم تُتلى في المآتم، بل نزل ليكون ” نذيرا” ينقل البشرية من تيه الحيرة وظلمات الجهل إلى ضياء الهداية وصراط العزة.
تساؤلات الواقع المؤلم
حين نتأمل واقع الأمة الإسلامية اليوم في ميادين السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، نجد بوناً شاسعاً بين الوعود القرآنية بالتمكين وبين الواقع المتردي. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان القرآن يهدي للتي هي أقوم بنص الآية، فلماذا لا يظهر أثر هذه الهداية في واقعنا المعاصر؟ إن الإجابة تكمن في “المنهجية”. لقد حدث خلل عميق في كيفية تعاملنا مع الوحي؛ فاستبدلنا “العمل” بـ”التغني”، و”الاتباع” بـ”الابتداع”. فالقرآن كتاب “هدى”، والهدى لا يناله إلا من أقبل عليه بصفة “التقوى”؛ أي بالنية الصادقة للامتثال، كما قال تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 2).
القرآن.. مصدر العزة والسيادة
لقد لخص الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما معنى قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} (الأنبياء: 10)؛ بأن “الذكر” هنا هو الشرف والعزة . فالقرآن هو الذي صلب عود العرب قديماً، وحولهم من قبائل متناحرة لا وزن لها، إلى سادةٍ قادوا العالم شرقاً وغرباً بالعلم والعدل.
هذه العزة ليست حكراً على جيل دون آخر، بل هي قانون إلهي مرتبط بالاستمساك بهذا الحبل المتين. وصدق الفاروق عمر رضي الله عنه حين قال: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين”. فكلما اقتربنا من روحه ارتفعنا، وكلما اكتفينا برسمه دون حكمه سقطنا في وحل الهوان.
المحبة الحقيقية: التدبر والامتثال
إن حب القرآن ليس مجرد عاطفة مجردة، بل هو “منهج حياة”. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله، فلينظر؛ فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله”.
إن هذه المحبة تتجسد في أركان أربعة: القراءة بوعي، والتعلم والتعليم، والتدبر في المقاصد، ثم العمل السلوكي. لقد منّ الله على المؤمنين بأعظم نعمة وهي بعثة الرسول ﷺ الذي يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فكانت النتيجة تحولهم من “ضلال مبين” إلى “رشاد مستبين”.
لقد ترك فينا النبي ﷺ “الثقلين”، وأولهما كتاب الله؛ فيه الهدى والنور. فمن استمسك به نجا واستقام، ومن تركه ضل وهلك. إن العودة إلى القرآن هي بوابة النجاة الوحيدة لأمتنا لاستعادة دورها الحضاري المفقود، وإصلاح ما فسد من أخلاقها. فليكن القرآن في حياتنا نوراً يضيء العقول، ودستوراً يهذب النفوس.



