عبادة الدموع بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

قال النبي ﷺ:
«ليس شيءٌ أحبَّ إلى اللهِ من قطرتَيْن وأثرَيْن: قطرةُ دموعٍ من خشيةِ اللهِ، وقطرةُ دمٍ تُهراقُ في سبيلِ اللهِ»
(سنن الترمذي: 1669)
ليست العبادة مجرد دوران لحبات السبحة، ولا صلاةً تزدان بالركوع والسجود، ولا وعظاً يُلقى من فوق المنابر فحسب؛ بل إن تلك الدمعة الصامتة التي ترتجف على عتبات الأجفان قد تتحول أحياناً إلى أسمى صور العبادة. حين تخذل المرءَ الكلماتُ، ويتلعثم لسانه تحت وطأة الندم، تتقدم تلك القطرة المالحة المنسكبة من العين لترفع بين يدي الله قضيةً يعجز اللسان عن شرحها. إن لسان الإنسان قد يقصر أحياناً عن ترجمة مشاعره كاملة، لكن الدموع الخارجة من أعماق القلب هي نداء صامت يصل مباشرة إلى بارئها.
إن شهر رمضان المبارك هو في الحقيقة موسم لإحياء هذه الحالة الروحية؛ فهو الوقت الذي تنال فيه أرض القلب القاحلة رياً، وتزهر فيه حدائق الروح بوابلٍ من دموع الخشية. إن ساعات الصيام وتلاوة القرآن وقيام الليل والدعاء، تغرس في الإنسان رقةً تجعله ينقاد للخضوع بين يدي ربه بذلة وندم. والحقيقة أن أصدق علامة على رقة القلب هي فيض العين؛ لأنه حين يسكن القلبَ تعظيمُ الله ومحبته، يكون أول تعبير عن ذلك عبر الدموع.
تكتسب الدموع قيمتها لأنها تُستخلص من أعماق الروح، فهي نقية من الرياء والتصنع، وخلاصة الصدق والإخلاص. ولذا، بيّن رسول الله ﷺ المنزلة الرفيعة لهذه الدموع وقدرها العظيم. فدمعة صادقة قد تبدو في الظاهر يسيرة، لكن تأثيرها غائر في الأعماق؛ فهي تطفئ حرارة الذنوب، وتكسر قسوة القلب، وتقيم بين العبد وربه رابطة قربٍ قد لا يحققها عمل ظاهري آخر.
وإذا بقيت العيون جافة، وخلا القلب من الخشية، فقد يكون ذلك علامة على أن القلب قد قسا تحت ركام الانشغالات الدنيوية والشهوات، فبريق الدنيا وآمالها الزائفة قد طمس لطافة الفطرة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحالة بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوْبُكُمْ مِّنۢ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ اَوْ اَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74)
ولكن حين يختلي العبد بربه مستحضراً عظمته، ويحاسب نفسه على أعماله وخطاياه، يبدأ هذا القلب القاسي باللين شيئاً فشيئاً. فيتذكر الإنسان عثراته وكيف ستره ربه مرة بعد مرة وأمهله، ومن هذا الإحساس بالندم تنبع تلك الحالة التي تفيض لها العيون.
إن طرق تليين القلوب وإبكاء العيون كثيرة؛ أولها أن يتذكر العبد ذنوبه ويتأمل في عصيانه لربه رغم ستر الله عليه وإمهاله له. والثاني أن يتفكر في نعم الله العظيمة التي لا يُعد مستحقاً لها في الحقيقة، ومع ذلك غمره الله بها، مما يورث في القلب حياءً وعجزاً. وكذلك ذكر الآخرة وسيلة مؤثرة، باستحضار تلك اللحظة التي يقف فيها العبد بين يدي ربه للحساب.
كما أن تلاوة القرآن والتدبر فيه أعظم وسيلة للين القلوب؛ فحين يقرأ العبد وهو يشعر أن هذا كلام ربه وأنه المخاطب به، تغلبه السكينة والخشية. ويصف القرآن هذه الحالة بقوله: ﴿تَرٰى اَعْيُنَهُمْ تَفِيْضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوْا مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: 83)
قد يظن البعض أن البكاء ضعف، لكن الحقيقة خلاف ذلك. فقد تكون الدموع في نظر الدنيا علامة عجز، لكنها عند الله هي أعظم قوة للعبد، فهي تعبير عن الافتقار الذي يقرب الإنسان من ربه ويخفف عنه أوزار الذنوب. قال النبي ﷺ:
«لا يَلِجُ النارَ رجلٌ بكَى من خَشيَةِ اللهِ حتى يعودَ اللبَنُ في الضَّرْعِ»(جامع الترمذي: 2311)
وهذا يعلمنا أن الدموع هي علامة حياة القلب؛ فإذا حيِيَ القلب تولدت فيه مشاعر الخشية والمحبة والندم، وهي المشاعر التي تسوق الإنسان نحو القرب من الله. لذا، من الضروري أن يخصص المرء لحظات في خلوته لربه، حين تهدأ ضوضاء الدنيا، فيبث ربه حال قلبه ويعترف بعجزه، ولا يستعجل في دعائه، بل يجلس صامتاً متلمساً نبضات قلبه. فإذا فاضت عيناه فلا يحاول حبسهما، فتلكم الدموع هي علامة ملامسة رحمة الله لروحه.
وفي تلك اللحظات، يرفع العبد لربه هذا الدعاء:
«اللَّهُمَّ إِنَّ قَلْبِي قَدْ قَسَا، فَلَيِّنْهُ بِمَحَبَّتِكَ، وَأَحْيِنِي بِذِكْرِكَ، وَارْزُقْنِي قُرْبَكَ»
إن الحقيقة الراسخة هي أن العيون التي تفيض في الدنيا ندماً ومحبةً لله، هي ذاتها العيون التي ستنعم بالأمن وتستظل بظل الرحمة يوم القيامة.