مقالات

” ليلة القدر ؛ نفحات إلهية وفرصة لا تُعوّض بين بهجة الأرواح وطمأنينة القلوب “

د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

ليلة القدر هي الليلة التي تسمو فيها الأرواح وتتعالى النفوس لتلامس أبواب السماء، ليلةٌ اصطفاها الله من بين سائر الليالي، فجعلها خيرًا من ألف شهر. ليلة تسطع فيها أنوار الرحمة وتجتمع فيها بركات المغفرة، ويزيّنها السلام الذي يعم المؤمنين حتى مطلع الفجر وإنها الليلة التي تغتسل فيها القلوب من الخطايا وتُفتح فيها أبواب السماوات لتلقف دعاء الصائمين ومناجاة القائمين.

تُعد ليلة القدر أعظم الليالي شرفًا ومكانة، وهي إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك التي أوصانا الرسول الأعظم بأحيائها بالعبادة وإنها الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم، كتاب الهداية والنور، على قلب نبينا الخاتم فقد امتدت بركاتها لتضيء دروب الإنسانية وتهدي البشر إلى سواء السبيل. يقول الله عز وجل في محكم التنزيل
{ إنا أنزلناه في ليلة القدر } فكان نزول القرآن فيها حدثًا عظيمًا يؤرخ لبداية عهد جديد من الهداية الإلهية.

إن فضائل ليلة القدر لا يُمكن حصرها، فهي ليلة تُبدل السيئات إلى حسنات وتُضاعف الأعمال إلى ما هو أكبر من ألف شهر ففيها تنزل الملائكة وجبريل الأمين بإذن ربهم، حاملين معهم السلام والدعوات المستجابة للعباد القائمين بالليل، المنيبين لربهم طالبين عفوه وغفرانه وقد وصفها الله في سورة الدخان بأنها ليلة مباركة فكانت عنوانًا للسلام والبركة لكل مَن نال فيض نعمها.

تميزت هذه الليلة بكونها مجهولة الموعد تحديدًا، رُغم أنها تأتي في العشر الأواخر من رمضان، بيّن العلماء أنها مدعاة للاجتهاد والتحري والتضرع إلى الله في تلك الأيام المباركة جميعها ففي عدم تحديدها فرصة عظيمة للمؤمن لنيل بركتها عبر الإقبال على الطاعات والعبادات طيلة تلك الليالي.

قيام ليلة القدر عبادة عظيمة ذات أجر لا يُحصى وقد قُرت بها أحاديث النبي صلى الله عليه واله حيث قال من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه لذا فهي دعوة مفتوحة لكل نفس مؤمنة راغبة في العودة إلى الله للإقبال على الصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن، كما تتجلى في هذه الليلة معاني التوبة الصادقة والعودة الخالصة إلى طريق الله.

ولعل أعظم عطاء من الله لعباده في هذه الليلة هو المغفرة التامة والعفو الكبير؛ إنها لحظة مباركة تتجلى
فيها رحمة الرحمن الغفار على قلوب عباده المؤمنين والمتذللين بين يديه ليالٍ معدودات، لكنها أثقل في الأجر من عمر طويل، حيث يمكن أن تتحقق فيها السعادة الأبدية والتقرب العظيم من المولى.

لذلك علينا أن نستثمر هذه الفرصة الفريدة ونحرص على الطاعة والاجتهاد فيها، فهذه الليلة تُدرك بقلوبنا ومدى إخلاصنا لله في خلواتنا وصلاتنا ودعائنا ولنتذكر أن الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه واله في هذه الليلة العظيمة كان اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني
إنه دعاء يختزل كل معاني المغفرة والرجاء بيقينٍ كامل برحمة الله الواسعة.

ليلة القدر هي رمز لحياةٍ جديدة وفرصة للتغيير والتجديد. إنها لحظة ينفتح فيها باب السماء على مصراعيه لتتنزل الخيرات والرحمات فطوبى لمن أدركها وأحسن العمل فيها، فهي حقًا هبة من الله لعباده المؤمنين، يبلغ بها الإنسان مقاماتٍ رفيعة لا تُدرك في سواها من الليالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى