حجة الوداع تمثل مشهداً مهيباً يجسّد جوهر تاريخ الإسلام وقيمه الإنسانية الرفيعة “
د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

“حجة الوداع ليست مجرد حدث تاريخي عابر بل هي أعظم مشهد في تأريخ الإسلام ولحظة مفصلية حملت خُلاصة الرسالة المحمدية ودستوراً أخلاقياً وإنسانياً خالداً يضيء الطريق للإنسانية وفي عامها العاشر للهجرة تحققت من خلالها رؤيا الإسلام في توحيد القلوب وإعلاء الكلمة حيث اجتمع المسلمون من كل حدب وصوب ليشهدوا أعظم مشهد حافل في تاريخ الإسلام تحت ريادة النبي الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) هذه اللحظة العظيمة جاءت تتويجاً لسنوات من الجهاد والتضحيات التي بذلها الرسول الأكرم وصحابته الكرام المنتجبين لإعلاء راية الإسلام فقد دخل النبي الكريم مكة المكرمة في هذا الحدث بحشود تجاوزت المائة ألف وأعينهم تشع إيماناً وقلوبهم تفيض إكباراً للنبي الذي قادهم إلى النور دخل (صلى الله عليه وآله) مكة كَمَن افتتح أبواب الرحمة والهداية لا بحد السيف بل برحمة القلب وصفاء النية مُرسِّخاً رسالة السلام التي قامت عليها الدعوة الإسلامية
قبل أن تبدأ مناسك الحج العظيم والتحاق الامام علي (عليه السلام) بركبه ليضفي مكانة عظيمة في هذا الحدث التاريخي ويثبت مرة أخرى الدور المحوري له في نصرة الإسلام وكان هذا المشهد لحظةً فارقةً يتشابك فيها الحاضر بالمستقبل ويمتزج الحاضر برؤية بعيدة المدى للأمة التي وصفها الله بخير أمة أُخرجت للناس وسمّيت حجة الوداع لأن الرسول الكريم أوضح للمؤمنين بأنها ستكون آخر حجة له على هذه الأرض الفانية وبينما كان واقفاً تحت شمس مكة خاطب جموع المؤمنين بخطبة خالدة تُعتبر دستورًا مقدسًا وميثاقًا إنسانيًا للأمة جمعاء تلك الخطبة كانت بمثابة الميثاق الخالد الذي خَطَّه النبي بلسان الحق والإيمان فأرسى القواعد الإنسانية التي ما زالت تضرب بجذورها أعماق العالم الإسلامي وفي هذه الخطبة قال النبي (صلى الله عليه وآله) أوصيكم عباد الله بتقوى الله بهذا التوجيه الإلهي كرّس النبي مبدأ أساسيًا في العقيدة الإسلامية التقوى هي معيار التفاضل بين البشر وأضاف قائلاً أيها الناس اسمعوا مني أُبيّن لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا كانت هذه الكلمات بمثابة قنديل ينير الألباب ويُحرّك القلوب للاعتبار والتفكر في حقيقة الحياة وفناء العبد أمام عظمة البارئ وفي اللحظة التي بُثّت فيها تلك الكلمات العظيمة أيّها الناس إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد وكلكم لآدم وآدم من تراب تجلّت رؤية الإسلام في مساواة البشر تحت مظلة الإنسانية والوحدانية فالرسول الكريم لم يدع مجالاً للتفرقة بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو العرق بل وحّد الجميع تحت راية التوحيد والتقوى قائلاً إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم وهكذا صارت هذه الكلمات الحكيمة شعاراً للمساواة وأساساً لبناء المجتمعات على قيم العدل والرحمة وإن حجة الوداع لم تكن مجرّد موسم ديني يتكرر عامًا بعد عام وحسب بل كانت مناسبةً لتأصيل مبادئ كنّا ولا نزال بحاجة ماسّة إليها أسس النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) خلال هذا الحدث نظاماً قائماً على العدالة الإجتماعية والحقوق المتساوية بين أفراد المجتمع، وحث العالمين على نبذ الظلم والفرقة والعنصرية كما أن خطبة الوداع لم تنحصر فقط في سياق الزمن الذي قيلت فيه بل نجدها اليوم مرجعاً قيِّماً لمواجهة التحديات الاجتماعية والأخلاقية التي تعيشها البشرية في عصرنا الحديث هي القاعدة التي تتفرع منها الحلول لكل ما يعكر صفو المجتمعات من الظلم والفقر والتمييز والفوضى وفي صلةٍ وثيقة بهذه الخطبة الجامعة يُذكر أنها لم تكن مجرد كلمات عابرة بل كانت وثيقة ذات بعد شامل تمس الفرد والمجتمع على حدٍ سواء بل توسعت معانيها لتتحول إلى منهج يُستنبط منه الحلول لمختلف الأزمات التي يواجهها الإنسان في العصر الحديث
مما يثبت أن الإسلام دين نابض بالحياة ومناسب لكل زمن.


