الرئيسيةمقالات

الأَمَلِ وَصِيَاغَةُ التَّارِيخِ: المَسْرَحُ فِي النَّقَبِ بَيْنَ الرِّسَالَةِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالرُّؤْيَةِ الحَضَارِيَّةِ

الأستاذة عيساوي فاطمة

بقلم: د. فاطمة عيساوي
ضمن برنامج “لقاء السبت”، من إعداد وتقديم الدكتورة فاطمة أبو واصل اغبارية، عبر منصة همسة نت الثقافية الدولية، وتحت الإشراف العام للمهندس عبد الحفيظ اغبارية، استُهل هذا اللقاء الاستثنائي بتقديم سيرة ذاتية حافلة ومشرقة للأستاذة نعمة إبراهيم، التي زفت لأهل النقب وللأمة قاطبة نبأ يمتزج فيه الفخر بالأمل: افتتاح أول كلية للفنون المسرحية في قلب رهط بالوسط البدوي

وقد شكل هذا الإعلان محطة تاريخية فارقة في الحوار المزين برعاية المنصة، وبإدارة راقية ومقتدرة من معدة البرنامج ومقدمته الدكتورة فاطمة أبو واصل اغبارية.

هذا الحدث الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والمكان، ألقى الضوء على منجز أكاديمي غير مسبوق يكتنز في أحشائه أبعاداً بيداغوجية وفرصاً تنموية بالغة الأهمية، محفوفاً في الوقت ذاته بأسئلة التحدي والرهانات المجتمعية.
وقد انسابت محاور الحوار في وفاء نادر ووفاء متجدد لروح المرحوم “سهل”، ذلك الإنسان الملهم الذي غاب جسداً وبقي أثراً وبصمة، إذ كان صاحب الفكرة الأساسية وواضع حجر اللبنة الأولى للمسرح في النقب. وها هو حلمه يتجسد اليوم صرحاً أكاديمياً شامخاً بعد أن ترك في الوجدان أثراً لا يمحوه الزمن. وتأكيداً على أهمية هذا المنجز، استعرضت الضيفة ردود الأفعال الواسعة والمتباينة عقب الإعلان عن الكلية؛ فهذا الصرح ليس مجرد تجديد شكلي، بل هو الكلية الأولى من نوعها في البلاد التي جاءت لتسد ثغرة ونقصاً حاداً في الكفاءات والكوادر المتخصصة في الفنون الدرامية والمسرحية بالمنطقة. وتتجلى الرؤية الاستراتيجية للكلية في كونها مؤسسة مهنية رفيعة المستوى تعتمد أحدث المناهج، وتستهدف استقطاب الشغوفين والمبدعين ورواد هذا المجال من داخل البلاد وخارجها، ليكون المسرح في البيئة البدوية وسيلة بيداغوجية واجتماعية فعالة لصقل الشخصيات، وعلاج الاختلالات السلوكية، وإعادة صياغة الوعي الجمعي تجاه قضايا حساسة ومحورية، وعلى رأسها التمكين التربوي والحضاري للمرأة.
إن المسرح لم يكن يوماً ترفاً فكرياً أو عبثاً جمالياً تُزين به الهوامش، بل هو جذوة تنويرية ومشعل وعي يسبر أغوار النفس البشرية ويصلب عود الشخصية الوطنية واللغوية. ورداً على الأصوات المشككة والتساؤلات التي يطرحها البعض في دهشة وسخرية: “كيف نحكي عن الوجع على المسرح ونحن نجوع ونعرى؟”، جاء الجواب كالشهاب الثاقب ليؤكد أن المسرح ليس هروباً من الواقع المعاش ولا رفاهية معزولة عن معباة الحياة، بل هو السلاح الأبلغ والوسيلة الأرقى لتجسيد الألم الإنساني، وإصلاح أعطاب المجتمع، وبناء المناعة القيمية والروحية لدى الناشئة. فالإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بالوعي والفكر والفن الهادف الذي يمنحه القدرة على النضال والتغيير.
من هذا المنطلق، يتشابك هذا المشروع التنويري الواعد مع جوهر اللسانيات التربوية وأبعادها السامية؛ فالعمل المسرحي في جوهره تجسيد حي وعملي للوظيفة التنموية التي تصقل أساليب التفكير وتبني الكفاية اللغوية والخطابية لدى التلميذ، والوظيفة القيمية والتأديبية التي تهذب السلوك وترسخ أدبيات الحوار والتواصل الحضاري بما يتوافق مع الثوابت الدينية والأخلاقية للمجتمع البدوي والنقباوي الأصيل، فضلاً عن الوظيفة الاندماجية التي تنتشل الشباب من الهامشية والعزلة لتجعل منهم فاعلين حقيقيين في صناعة القرار وتطوير مجتمعاتهم.
ورغم أن الفكرة واجهت في مهدها رياحاً من الانتقادات وتشكيكاً في العائد الاقتصادي والجدوى العملية، إلا أن الحلم عندما يتسلح بالإيمان والخطط المنهجية يستحيل واقعاً صلباً. فقد أوضحت الأستاذة نعمة إبراهيم أن الكلية لم تنطلق من فراغ، بل سارعت إلى إبرام شراكات استراتيجية مع مؤسسات مسرحية وثقافية على المستويين الوطني والدولي، ووفرت تسهيلات ومساعدات مالية معتبرة للمسجلين في الدفعات الأولى، بهدف تبديد المخاوف وتأمين مسارات عمل واعدة تضمن للخرجين الاستقرار المهني والرزق الكريم. وقصت الضيفة رؤيتها التفاؤلية بكلمات تختزل جلال الموقف: “إننا لا نبني جدراناً وخشبة، بل نحن نصنع التاريخ، ونزرع في أرض النقب بذرة الأمل لتورق في العالم كله”.
إن وقوف الابن أو الابنة على خشبة المسرح ليس خروجاً عن الضوابط أو انحرافاً عن الأصالة، بل هو تبلور حقيقي للشخصية، وصقل لمهارات المواجهة والتعبير الشفهي والإقناع. وهنا تتكامل الرسالة الإعلامية الرائدة لمؤسسة “همسة نت الدولية” مع الرؤية التربوية السديدة لتطمئن كل أم وأب بأن هذا التخصص الأكاديمي هو جسر عبور نحو التميز، وصناعة القيادة، والفتح المالي والمهني المضمون بعون الله. إن قضايا الثقافة والتعليم هي الرهان الحقيقي الأكبر للنهوض بالأمم؛ فبهما تستقيم المجتمعات وتصان الهويات، وسيظل النقب شامخاً يكتب تاريخه الثقافي والحضاري بأيدي أبنائه وبناته المبدعين، معلناً للعالم أجمع أن الفن الهادف هدمٌ للجهل، وبناءٌ للإنسان، وصيانةٌ للكرامة.

المدير التنفيذي:
ومعدة البرنامج الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية منه
المشرف العام:
المهندس عبد الحفيظ إغبارية
كاتبة المقال فاطمة عيساوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى