الرئيسية

السبيل لبر الوالدين إعداد الشيخ صلاح الدالي الحلقة الثالثة

شاعر الأمة محمد ثابت

3. واختر الأمناء العالمين بصفة الغسل:
يغسلون ميتك، وإذا كانت الأم التي ماتت فاختر لها نسوة صالحات عالمات بأمر الغسل يغسلنها ولنستر على ما يظهر على الوالدين وسائر الأموات عند تغسيلهم ولا نحدث بما يظهر منهم.
ولنحرص على الصلاة على الوالدين إذا ماتا، تخلص في الدعاء لهما وتجتهد في تكثير عدد المصلين عليهما ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفعوا فيه».
وعند مسلم أيضاً من طريق كريب مولى ابن عباس عن عبد الله أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه”.
ومن أمكن أن يصلي الولد على أبيه أو على أمه صلاة الجنازة ما لم يكن هناك إمام أعظم للمسلمين، والدليل على صلاة الولد كإمام على أبويه فهو قوله تعالى: “وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ” ثم إن الابن يكون أشد إخلاصاً في الدعاء لوالديه والله تعالى أعلم.
4. ولتحرص على دفن الوالدين بجوار أهل الفضل والصالح:
ما استطعت ذلك، وكذا في أرض الصالح، واذا فرغت من الدفن قف واستغفر الله لهما وسؤال الله التثبيت والدعاء لهما وطلب الرحمة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول باستغفار ولدك لك».
5. وعلينا بأداء الدَّيْن عن الوالدين:
فتركة الوالدين لا تقسم إلا بعد أداء الديون التي عليهما أو بعد استخراجها من أصل التركة، كما قال تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ» ومن شدة أمر الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل أمره كان لا يصلي على من كان عليه دين، ففي الصحيح من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «كنا جلوساً عند النبي إذ أتي بجنازة فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا. فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليها. قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم. قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلى عليها. ثم أتي بالثالثة فقالوا: صلِّ عليها. قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير. قال… : صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه، فصلى عليه».
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين». وفي رواية أخرى عنده أيضاً: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدَّين».
وعند مسلم أيضاً من حديث أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن «الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال»، فقام رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك».
وأخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: “أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء” وهنا سلفنا الصالح يقضون الديون عن آبائهم، والآباء أيضاً يوصون بذلك.
وعمر رضي الله عنه يوصي ولده بسداد الدين، ففي البخاري في قصة مقتل عمر، أن عمر قال: يا عبد الله بن عمر انظر ما عليّ من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه قال: إن وفي له من مال آل عمر، فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تفِ أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأدِّ عني هذا المال.
6. والصدقة عن الميت يصل ثوابها إليه وينتفع بها:
ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً “هذا الرجل هو سعد ابن عبادة” قال لرسول الله إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال فإن لي مخرافاً، فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي: إن أبي مات وترك مالاً ولم يوصِ، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم.
وأجمع المسلمون على أنه لا يجب على الوارث التصدق عن ميته صدقة التطوع، بل هي مستحبة، وأما الحقوق المالية الثابتة على الميت فإنه كان له تركة وجب قضاؤها منها، سواء أوصى بها الميت أم لا، ويكون ذلك من رأس المال، سواء ديون الله تعالى كالزكاة والحج والنذر والكفارة وبدل الصوم ونحوهن، وديون الآدمي فإن لم يكن للميت تركة لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحب له ولغيره قضاؤه، ومن أفضل الصدقات سقي الماء.
وأما قراءة القرآن وهبة ثوابها للميت فلم يرد دليلاً صريحاً صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد أنه فعل ذلك ولا أنه حث عليه.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ }: أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع القياس والآراء، وأما الدعاء والصدقة فذلكم مجمع على وصولها ومنصوص من الشارع عليها.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…» فهذه الثلاثة هي من سعيه وكد يده وعمله، وكما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه وقد قال الله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ }.
والعلم الذي نشره في الناس فاقتدي به الناس بعده هو أيضاً من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً»، وكذلك يصوم عنها إذا ماتا وعليها صيام.

إعداد الشيخ صلاح الدالي

 

عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى