حين تزهرُ بذورُ الإبداعِ في محرابِ المدرسَة: رحلةُ اكتشافِ الموهبَةِ ورعايتِهَا في لقاء السبت
الدكتورة فاطمة عيساوي

في إشراقةٍ فكريةٍ يضوعُ منها عبقُ العلمِ وتنسكبُ فيها أنوارُ التوجيهِ السديد، أطلّت علينا منصة «همسة نت الدولية» عبر برنامجها الرائد «لقاء السبت»، تحت الإشراف العام للمهندس عبد الحفيظ إغبارية، والرؤية القيادية الحكيمة للمديرة التنفيذية الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية، وبإعدادٍ وتقديمٍ أثيرٍ تُشرقُ به العقولُ الأستاذة الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية، في سهرةٍ تربويةٍ استثنائيةٍ شَرُفْتُ بتحريرِها وكتابةِ ألقِها

حيث استضافت القامةَ التربويةَ الأستاذ علي بركة في حوارٍ يُسلطُ الضوءَ على قضيةٍ هي جوهرُ البناءِ الإنساني: المواهبُ وأهميتُها في الحياةِ المدرسية.
استهلَّ الضيفُ كريمَ القولِ بالتأكيدِ على أن الموهبةَ بذرةٌ فطريةٌ تشتعلُ في الروحِ منذُ النعومة، تُولَدُ مع الإنسانِ كشعلةٍ نورانية، غير أن المرانَ والتجربةَ والخبرةَ هي الكفيلةُ بتحويلِهَا من مجردِ هبةٍ إلى ملكةٍ راسخة، تغدو في مقبلِ الأيامِ مصدرَ رزقٍ وعطاء، وتتبدلُ صُورُهَا كلما ارتقى العقلُ في مدارجِ النضج؛ فبينما تكونُ في مقتبلِ العمرِ نبتةً ناعمةً تحتاجُ الحاضنةَ الرؤوم، تتجذرُ في المرحلةِ الجامعيةِ لتغدو تخصّصاً دقيقاً كالموسيقى وغيرها من الفنونِ والعلوم. وتتعددُ العلاماتُ التي تصرخُ بميلادِ موهوبٍ صغير؛ من فضولٍ وقّاد، وطريقةِ طرحِ الأسئلةِ المنسوجةِ بالذكاء، وتفرّدٍ يسلبُ الألباب، غير أن الرياحَ لا تجري دائماً بما تشتَهي المراكبُ؛ إذ تكشفُ أروقةُ المدارسِ عن عثراتٍ وأخطاءِ تقييمٍ قاصرةٍ تسجنُ الموهوبَ في أطرٍ ضيقة، متجاهلةً أن منحهُ الفرصةَ والرعايةَ النفسيةَ والبيئةَ الحاضنةَ هو الشريانُ الذي يغذّي شجاعةَ الابتكار.
ولم يغب عن اللقاءِ نقدُ التحدياتِ المعاصرة؛ حيث تجثمُ التكنولوجيا والذكاءُ الاصطناعي كحدٍّ ذي حدين، قد يُضعِفُ جمرةَ الشغفِ ويحدُّ من المبادرةِ الإنسانيةِ إن لم نزنْ بين الابتكارِ التقني والتميزِ الذاتي. كما تطرقَ الحوارُ إلى واقع العالمِ العربي، حيثُ تُسلَّطُ الأضواءُ على التفوقِ التعليمي الأكاديمي ويطالُ الإهمالُ مواهبَ أخرى لا تقلُّ قيمةً، لتتضاعفَ الصعابُ بوجهِ الموهوب، إلا أن شعلةَ الإصرارِ والطموحِ لا تنطفئُ بماءِ الأحزان، بل تنطلقُ بالجهدِ نحو النجاحِ متسلحةً بالثبات. إن الشراكةَ بين الأسرةِ والمؤسساتِ التربويةِ ومؤسساتِ المجتمعِ المدني عبر الورشاتِ والنوادي الثقافيةِ والرياضيةِ هي الحصنُ المنيعُ لاستمرارِ هذا الشغف، لا سيما حين نلتفتُ برحمةٍ وإجلالٍ إلى فئةِ ذوي الاحتياجاتِ الخاصة والمنعزلين؛ فهم يختزنونَ طاقاتٍ خارقةً ومواهبَ استثنائيةً تُعجزُ الأفهام وتستحقُّ أقصى درجاتِ الاهتمام.
وفي لفتةٍ إنسانيةٍ ساحرة، استعرضَ الأستاذُ علي بركة تجربتَهُ الشخصيةَ الشائكةَ في عالمِ التنشيطِ الإذاعي وتقديمِ الحفلات؛ إذ واجهَ في مهادِ السيرِ رياحَ التنمرِ والسخريةِ وخوفَ الأولياءِ القاصرَ على المستقبل، لكنه بالمثابرةِ صقلَ موهبتَهُ وكسرَ أغلالَ التثبيط، ليعبرَ إلى منابرِ النجاحِ محاطاً بدعمٍ لا ينتهي، موجهاً رسالةً ناصعةً للطلابِ بالتمسكِ بمواهبِهم التي تُهذبُ الروح، وتُوسعُ المدارك، وتورثُ حبَّ الناس. كما دعا الأولياءَ ليكونوا أجنحةَ حمايةٍ لأحلامِ أبنائهم، والمعلمين ليكونوا السندَ والمشجع، بل واعتلى النداءُ ليشملَ كبارَ السنِ والأجدادَ؛ مؤكداً أن الموهبةَ لا تجعدَ في وجهِها ولا شيخوخةَ لها، فما دامَ في العمرِ بقيةٌ فالعالمُ بانتظارِ إبداعهم. واختُتم هذا اللقاءُ المشرقُ بفيضِ الشكرِ والتقديرِ للدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية على هذه المساحةِ الراقية، مع نداءٍ خالدٍ يترددُ صداهُ في الآفاق: «قدّم موهبتَك؛ فالعالمُ يناديكَ فاتحاً ذراعيه!».
المديرة التنفيذية الدكتورة فاطمة أبو واصل اغبارية
المهندس عبد الحفيظ اغبارية




