بين المنبر والمنصة هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي لاعبًا جديدًا في إدارة الشأن الديني في تونس؟
كتب الإعلامي التونسي المعز بن رجب

في الدولة الحديثة، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على إقناع المواطنين بعدالتها وشفافيتها. وفي تونس، أعادت ملفات إعفاء عدد من الأئمة خلال الأشهر الأخيرة فتح نقاش حساس حول العلاقة بين الإدارة، والقانون، والرأي العام الرقمي.

القضية التي أثارت أكبر قدر من الجدل كانت قرار إعفاء الإمام والخطيب فتحي الرباعي من جامع السلام بصفاقس، وهو إمام عُرف بنشاطه الدعوي الواسع، إذ يضم موقعه الإلكتروني مئات الخطب والدروس والبرامج العلمية، وشارك في أنشطة نظمتها الإدارة الجهوية للشؤون الدينية، من بينها تأطير دروس توعية الحجيج.
لكن خبر الإعفاء لم يبق قرارًا إداريًا عادياً، بل تحول إلى قضية رأي عام. فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمنشورات التضامن، وتداول آلاف المتابعين سيرته العلمية والدعوية، قبل أن تتداول وسائل إعلام وصفحات إخبارية خبر إلغاء قرار الإعفاء وعودته إلى مهامه.
في المقابل، يبرز ملف آخر لا يقل أهمية، وهو ملف الإمام زياد الملاخ، الذي يختلف في تفاصيله ومساره عن قضية فتحي الرباعي، ولا يجوز الخلط بينهما. كما يطرح الإمام فتحي الرباعي في بياناته الشخصية سؤالًا آخر يتعلق بمدى اتساق الإجراءات الإدارية، إذ يرى أن بعض الملفات تُراجع بسرعة بينما تستغرق ملفات أخرى وقتًا أطول، وهو رأي يعبر عن صاحبه ويستحق أن يُعرض إلى جانب الرواية الرسمية.
وهنا يبرز السؤال المركزي: هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من البيئة التي تتحرك داخلها الإدارة؟
لا توجد وثائق أو تصريحات رسمية تثبت أن وزارة الشؤون الدينية تتراجع عن قراراتها بسبب الضغط الإلكتروني، كما لا توجد أدلة على أن النشاط الرقمي هو سبب مباشر لقرارات الإعفاء. ولذلك فإن الجزم بهذه العلاقة لا يستند، حتى الآن، إلى دليل معلن.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المنصات الرقمية أصبحت فضاءً للنقاش العام، وأن أي قرار يخص شخصية دينية معروفة قد يتحول خلال ساعات إلى قضية وطنية يتابعها آلاف المواطنين.
من جهتها، تؤكد وزارة الشؤون الدينية أن تسيير المساجد والإطارات الدينية يتم وفق القوانين والتراتيب المنظمة للقطاع، وأن هدفها ضمان حسن سير المرفق الديني والمحافظة على حياد المساجد. ويبقى من حقها، كما من حق أي إدارة، اتخاذ القرارات التي يخولها لها القانون، مع بقاء تلك القرارات خاضعة لآليات التظلم والرقابة القضائية.
غير أن الشفافية تبقى العامل الحاسم. فكلما كانت أسباب الإعفاء أو الإبقاء واضحة ومعللة، تقلصت مساحة الإشاعات، وازدادت ثقة المواطنين في المؤسسات.
لقد فرض العصر الرقمي معادلة جديدة: لم يعد الإمام يخاطب فقط من يجلسون أمامه في المسجد، بل يخاطب جمهورًا واسعًا عبر شاشة الهاتف. وفي المقابل، لم تعد الإدارة تخاطب موظفيها فقط، بل أصبحت قراراتها تُناقش لحظة بلحظة أمام الرأي العام.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من أُعفي ومن أُعيد؟ بل: كيف يمكن للدولة أن تضمن وحدة المعايير والشفافية في كل الملفات، بحيث لا يشعر أي مواطن أن العدالة تختلف من قضية إلى أخرى؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وهو النقاش الذي يستحق أن يُفتح، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من القانون، لأن قوة المؤسسات لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بثقة الناس في عدالتها.



