العيدان تطهير للقلوب وتكبير لله – بقلم : أ.د.عبد الحفيظ الندوي

إن الله سبحانه وتعالى يذكر في القرآن الكريم موطنين عظيمين من مواطن الفرح والبهجة للمؤمنين الصادقين، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، حيث جاءت الإشارة إليهما في آيتين مباركتين تعززان مفهوم الشكر والتقوى في نفوس العباد.
وتتجلى الدلالة على عيد الفطر في سياق الآيات التي تتحدث عن فريضة الصيام ومكانة شهر رمضان المبارك، حيث يقول الله تعالى في محكم التنزيل: شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وتوضح هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل أنزل القرآن الكريم هداية للبشرية، ويرشدنا النص إلى أن الصيام والعبادة في هذا الشهر يورثان النفس طهارة ونقاءً، مما يستوجب تعظيم الخالق والثناء عليه اعترافاً بفضله، فالقرآن الكريم ومدارسة الحديث الشريف هما النبراس الذي نلنا به الهدى وصفاء القلوب، لا سيما في شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين، ولأجل هذا التكرم الإلهي شُرع لنا إطلاق التكبيرات إعلاناً للشكر والامتنان، وهو دأب المؤمن في يوم العيد حين يصدح قائلاً: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وإن هذه التكبيرات التي نرددها شكراً لله على هدايته ينبغي أن تكون دافعاً ومحفزاً يمدنا بالطاقة اﻹيمانية لنعيش في طاعة الله ومستسلميين لأوامره في سائر شؤون حياتنا، ونسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لذلك، آمين يا رب العالمين. وإذا تملكنا التساؤل عن كيفية تحقيق هذا الاستمرار، فإن الإجابة تكمن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والجيل الفريد من الصحابة الكرام، الذين كانوا يستشرفون رمضان قبل حلوله بأشهر ويدعون قائلين: اللهم بلغنا رمضان، ثم يتبعون انقضاءه بوجل ورجاء طويل يدعون فيه: ربنا تقبل منا رمضان، ومن هنا فإن تأمل الإنسان في واقعه وحاله بعد رمضان يعطيه مؤشراً جلياً حول مدى قبول طاعته وأثر العبادة في سلوكه.
وفي المقابل، يأتي الحديث عن عيد الأضحى المبارك ليرسخ المعاني ذاتها، حيث يقول الله تبارك وتعالى: لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ. وهنا أيضاً يبرز القرآن الكريم المعنى الحقيقي والغاية الجوهرية وهي طهارة القلوب ونيل التقوى، ويظهر لنا السبيل جلياً من خلال استحضار سيرة الأسرة الإبراهيمية المباركة، حيث نلمح الموقف العظيم والقلب الرحب للسيدة هاجر عليها السلام وهي تمتثل لأمر الله حين تركها نبي الله إبراهيم عليه السلام مع طفله الصغير إسماعيل الذي جاءه على كبر في وادٍ قاحل لا زرع فيه، مفوضاً أمره للقدير تبارك وتعالى.
وتكتمل هذه التضحية بعد سنوات حين يعود الأب إلى أهله ليتلقى الوحي في المنام بأمر يقتضي ذبح هذا الابن البار، ليتجلى هنا نقاء السريرة والتسليم المطلق في موقف إسماعيل عليه السلام، وهو ما يجسد تماماً قوله تعالى: لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ. والإنفاق المطلوب هنا لا ينحصر في جانب واحد، بل يشمل كل ما أنعم الله به علينا من مال وصحة وعلم ووقت فراغ، وبذل ذلك في سبيل الله هو الطريق لنيل البر والنجاح في الآخرة، ولعل الدرس الأسمى في الأضحية هو استعداد إبراهيم عليه السلام للتضحية بأحب ما يملك امتثالاً للأمر الإلهي، غير أنه ومما يبعث على النفس الأسى والمشقة، أن نرى في بعض الأوساط المعاصرة تحول شعيرة الأضحية من غايتها السامية المتمثلة في التقوى وطهارة القلوب إلى مظاهر من التنافس والمباهاة والرياء.
إن القرآن الكريم يلفت انتباهنا إلى أن للمؤمنين أسوة حسنة وقدوة بليغة في حياة نبيين كريمين؛ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام، حيث يقول الله تعالى في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا. كما يقول سبحانه في سياق الاقتداء بإبراهيم ومن معه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ.
وعليه، فإن الواجب علينا كمسلمين أن نستلهم العظات البالغة من مسيرة هذين الرسولين العظيمين، لنسعى جاهدين نحو تطهير قلوبنا والارتقاء بها، وتوطين أنفسنا على تقديم أعز ما نملك في سبيل نيل رضا الله تعالى، لنطلق معاً في أيام الأعياد تلك النبرات الإيمانية الصادقة، ونردد بملء قلوبنا وأصواتنا تكبيرات العزة والثناء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

