اقلام حرةالرئيسيةخواطر

مرافئ الغبار والثلج – قصة قصيرة للكاتب البروفيسور مُحمّد حُسين حُجيرات

" إلى روح الغالية فدوى توفيق مصطفى كمال ..."

إلى العائلة الّتي أثبتت لي أنّ الإنسانيّة لا تحتاج إلى جواز سفر... إلى مَن فتحوا لي قلوبهم وبيوتهم في شيكاغو، فكانوا الدفء الّذي أذاب صقيع الغربة، والمرفأ الّذي أرسى طوفان حقيبتي المثقلة بغبار المنافي وصور الراحلين...

أهديكم هذه الروح المكتوبة، لتعلموا أنّ لطفكم لم يكن مجرّد ضيافة عابرة، بل كان إعادة بناء لوطنٍ ضائع.

بكلّ الامتنان والمحبّة،

ابنكم محمّد

وقف ساري وراء زجاج نافذته الشاخصة على المدى اللّامتناهي لبحيرة “ميشيغان”، يرقبُ خطوط الأفق حيث تتكسّر طيور النورس كأمنيات بيضاء، وفي يده فنجان قهوته السمراء؛ تميمته العربيّة الّتي لم تخذله طوال عقدٍ من التيه الأكاديميّ في أمريكا. فجأة، زمجرت عاصفة مباغتة، فارتجّت زرقة البحيرة الهادئة صاخبةً متمرّدة. ومع تصاعد بخار القهوة الدافئ، ذابت المسافات، وتحوّلت صفحة الماء أمام عينيه إلى مرآة سحريّة تعكس شريط عمرٍ مضى. في تلك اللّحظة، التفتت عيناه نحو زاوية الغرفة؛ هناك كانت ترقد حقيبته الجلديّة الصغيرة، مستودع أسراره، البطل الصامت ورئته الثالثة الّتي يتنفس بها بلاده، كلّما ضاقت عليه أمكنة الاغتراب طوال ثلاثين شتاءً.

استيقظت الذاكرة، فرأى طفولته البعيدة تتجسّد في الفراغ: طفلٌ يحشد ألعابه الخشبيّة الغضّة، وصورة جدّه الراحل، داخل الحقيبة، ليركض لاهثًا خلف زفرات والدتهوشقيقاته الستّ، في الطريق إلى لجوءٍ مشحون بالخوف نحو “رام الله”، بعد أن التهمت النيران قريتهم الوادعة، وابتلعت معها جسد جده الدافئ.

ففي ليلةٍ من ليالي رام الله القاسية، تمزّق ثوب الظلام فجأة بضوءٍ مرعب؛ لم تكن تلك الأضواء قناديل فرحٍ أو مفرقعات عيد، بل كانت قذائف جهنّمية تشطر السماء، بينما امتد في الأزقة أنين المستغيثين وصراخ الموت. في تلك اللّيلة، مضى شقيقاه، وسام وفؤاد، نحو القدس... ومذ ذاك، صارا غيابًا عالقًا في المدى. تذكّر كيف حمل قنديل الزيت الشاحب، وتأمّل ملامحهما المصلوبة على الحائط في إطارين من خشب، قبل أن ينزعهما برفق ويدسّهما في الحقيبة لئلّا يسرقهما النسيان.

حين علا نداء أمّه الصارخ في الفناء، لم يملك سوى أن يضمّ حقيبة الذاكرة” إلى صدره ويهرع إليها. اندمجوا كالأشباح في حلكة الصحراء الممتدّة التفت ساري للمرّة الأخيرة من فوق تلّة رمليّة كانت مساجد رام الله وكنائسها يتعانقان تحت سماء تنزف نارًا، ومن ذلك العناق الجريح بدأت رحلة الشتات الأولى نحو عمّان”.

في عمّان، غدا الصباح معركة بقاء صامتة. كان ساري يطوف الشوارع حاملًا صندوق كبريتٍ صغير، كأنّه يبيع الضياء للناس ليعيل عائلة يطحنها الفقر. لوّحت الشمس طفولته، وباتت ثيابه الرثّة غبارًا يكسو روحه. كان يلوذ بظلّمخبز أبي عليّ“، يرقب غلاء الخبز الّذي بات يفوق الاحتمال، ويقضم رغيفه ببطء المخذول ذات يوم، اشترى منه رجلٌ غريب كلّ علب الكبريت بخمسة دنانير، فظنّها انفراجة القدر أطلّ شقيقه وسام عائدًا بصندوق حلوى كاسد، أمّا فؤاد فقد ظلّ مكانه شاغرًا في الغياب. فجأة، هبّت رياح الخماسين المغبرّة المغبّرة، واندلعت مظاهرات جائعة تحرق الأخضر واليابس، لتجد العائلة نفسها مجدّدًاعلى متن حافلة تمخر عباب الطريق نحو جدّة”.

قبيل الرحيل، عاد ساري إلى غرفته، وكانت صورة فؤاد” ما تزال معلّقة كشاهد قبر على جدار الغرفة العمّانيّة، فأنزلها بهدوء لتنضمّ إلى موكب الراحلين في حقيبته.أدهشته أمّه الّتي لم تسأل عن غيابه لكنّه أدرك لاحقًاأنّ صمتها لم يكن نسيانًا، بل خوفًا مقدّسًا؛ لقد كان اسم فؤاد” جرحًا فادحًا، لو نطقت به لسال عمرها كلّه على عتبات الفقد.

مرّت السنوات في جدّة”، وتهيّأ للجميع أنّهم عثروا على شاطئ الأمان، بعد أن تزوّجت الأمّ من رجل أعمال،واحتضنت العائلة رغد العيش، وانضمّت إليهم شقيقة صغرى ملأت البيت بهجة. تخرّج ساري في الجامعة، وبدا أن الماضي قد جُمِّد تمامًا.

لكن في ليلةٍ كان يستعدّ فيها لحفل صديقه ماجد، وقفت أمّه تصفّف له ربطة عنقه تطلّعت في وجهه والدموع تجرح مآقيها، وقالت بنبرة مخنوقة: يا بنيّ، إنّك تنبش ماضيًابذلتُ عمري لأجمّده في ثلّاجة النسيان... إنّه يطاردني، وأخشى أن يستردّنا معًا”.

لم تكن تلك اللّيلة بردًا وسلامًا؛ ففي صخب الاحتفال، داهمت خفافيش الأمر بالمعروف” المكان، لتخدش واجهة الأمان الزائفة. عاد ساري إلى منزله بقلبٍ منكسر، ليجد أمّه في عتمة الصالة تحزم الحقائب ذاتها بنظرات ميتة، وقالت له بأسى: هذا الفضاء يضيق بأنفاسنا، لا مكان لنا هنا... غدًا نرحل إلى شيكاغو”.

انقشعت غيوم الذكرى، وعاد ساري إلى حاضره وراء النافذة. كانت عاصفة ميشيغان” قد تلاشت تمامًا، لتعود البحيرة مرآة صقيلة تعكس هدوءًا عميقًا افتقده طويلًا. ترك فنجان قهوته، ولمس بامتنان حقيبة الصور؛ تلك الحقيبة الّتي لم تعد وعاءً للدموع والراحلين فحسب، بل غدت الجسر الّذي عبر به نحو هذا المرفأ الإنسانيّ الجديد. لقد كانت شيكاغو، بجليدها الشرس، أدفأ المنافي؛ لأنّ قسوة الشتاء فيها أذابتها قلوبٌ نقيّة ويدٌ بيضاء فتحت أبوابها لغريبٍ، لم يكن يملك سوى حقيبة أسراره وصوتٍ مخنوق، ليجد معهم– أخيرًا- الوطنَ الّذي عجزت النيران عن التهامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى