خواطر

صندوق البركة

بقلم ازدهار عبد الحليم الكيلاني

في بيوت أجدادنا كانت البركة تسكن كل زاوية، رغم أن ما يملكونه كان قليلاً مقارنةً بما نملكه اليوم.

كانت الموائد بسيطة، والملابس محدودة والبيوت متواضعة، لكن القلوب كانت عامرة بالرضا والقناعة.

كان القليل يكفي الجميع، وكانت السعادة تُصنع من أشياء صغيرة لا تُشترى بالمال.

لم يكن السر في بيوت أجدادنا فيما كانوا يملكون، فقد كانت إمكاناتهم بسيطة وأرزاقهم محدودة.

السر الحقيقي كان في الطريقة التي كانوا يوزّعون بها ما لديهم من

” صندوق البركة”

كانوا يؤمنون أن العطاء لا يُنقص، وأن اللقمة التي تُشارك تُصبح أطيب وأن الخير حين يخرج من اليد يعود إليها مضاعفًا.

أغرب نظام تأمين اجتماعي عرفه الريف الفلسطيني لم يكن مؤسسة ولا دائرة حكومية، ولا صندوقاً من حديد أو من خشب.

كان صندوقًا يسكن في قلوب الفلاحين.

حين يفيض محصول أحدهم يعرف أن جزءاً منه ليس له وحده. وحين يتعثر جار أو يمرض أو يمر بضائقة، تُفتح أبواب البيوت قبل أن تُطلب المساعدة.

بعد أن ينتهي الفلاح من دراس القمح على البيدر وتتكوّم السنابل حبًا كأنها ذهبًا وجبال من الخير، لم يكن يبدأ بحساب حصته أولاً.

قبل أن يملأ المخازن أو يوزّع الأنصبة على أهل بيته، كان يملأ شوالاً من القمح ويرفع صوته إلى السماء قائلاً:

” يا رب زيد الخير، تا نطعم الفقير والمحتاج”

ثم يقول” هذا نصيب المسكين قبل نصيبنا”

“صندوق البركة” بعلمنا درسًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: أن اللقمة التي تقسمها مع غيرك لا تنقص، بل يبارك الله فيها.

مثل ما قالوا زمان: ” اللي بجود بموجوده، ربنا بزيد بجوده”.

هذه ليست حكمة شعبية، بل خُلاصة تجربة عاشها أجدادنا.

فقد أدركوا أن البركة لا تأتي من كثرة ما نملك. بل من حُسن ما نعطي.

لذلك صنعوا في حياتهم زاوية للبركة، حتى وإن لم يسمّوها بهذا الاسم.

هكذا كان “صندوق البركة” يعمل.

صندوق لا يُرى لكنه حاضر في كل بيت. فاجعلوا في بيوتكم وشغلكم زاوية للبركة. خصّصوا جزءًا من وقتكم أو مالكم أو طعامكم لمن يحتاجه

وكن على قناعة ” الجود من الموجود”*******

         

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى