
طقوسٌ تمتزج فيها مشاعرُ الحب الخيالي والحقيقي، وتتجه روحي نحو تلك الأحاسيس الخاصة، نحو عشقي ليوم عرفة، واستمتاعي العميق بأجوائه الإيمانية.
كان كلُّ ذلك يصلني عبر شاشةٍ صغيرة، لكنني كنت أعيش واقع الحجيج وكأنني بينهم أُلامس الطرقات والمظلات، وأستمتع برذاذ المياه المتناثر من الرشاشات، وأشعر بالانتعاش. أُصلي وأصوم، وأُشاركهم تلك الأجواء المُفعمة بالإيمان وقدسية هذا اليوم العظيم.
كان نداء الحج يسكن قلبي وملكوت روحي، فناديتهُ من أعماقي.
فاستجاب النداء*
” لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
” إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”
ولما دخلت بيت الله، وطفتُ حول الكعبة المُشرَّفة، فاضت دموعي، وارتقى فؤادي إلى عُلياه، وشعرتُ أن الله جلَّ جلاله قريبٌ مني.
فانطلق لساني بالتلبية:
هذا فؤادي بين يديك تائبًا وملبيًا، فاغفر لي وارحمني، ونقني من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس.
ورأيتُ الناس بثياب الإحرام، كأنهم كُتلٌ من الثلج تعلو المكان.
اختلطت مشاعري بين الخيال والحقيقة، ومشيتُ بين مخيمات عرفة الضخمة المتراصة، لاستيعاب الحجيج. ومن شدَّة الحر كادت تذوب أحشائي. لكنني شعرتُ وكأنني ولدتُ من جديد، فانهمرت دموعي بالتلبية وحمدتُ الله على هذه النعمة العظيمة، والهبة الثمينة التي أنعم بها عليَّ حتى بدا لي أنني أديتُ المناسك حقيقةً لا خيالاً.
وكان أكثر ما يبعث في نفسي المتعة والرهبة، مشاهدة ذلك الحشد الغفير من الحجيج على طرقات عرفة، أترقب وجوههم المغبرّة بالرمل والغبار
بثيابهم البيضاء والعرق يُرهق أجسادهم وهم يُرددون بصوتٍ واحد،
فلبيتُ معهم، ودموعي تنهمر لاختلاط مشاعري الصادقة بمشاعر الحجيج
الذين أتوا من كل فجٍّ عميق.
وما بين ما نراه عبر الشاشات، وبين حقيقة التعب، والجلوس في الخيام والدعاء، والصلاة. كلُّ ذلك جهدٌ ومشقّة، لكنه في الوقت نفسه سعادةٌ لا توصف. لأنني عشتُ هذه المشاعر، وأتممتُ هذه الرحلة الروحية بقلبٍ ممتلئ بالإيمان. امتزجت مشاعري بين الواقع والخيال بين الحلم والحقيقة. وهكذا بقي يوم عرفة يسكن قلبي لا كذكرى عابرة بل كنفحةٍ إيمانية أعادت لروحي الحياة، وكلما ردَّد الحجيج
“لبيك اللهم لبيك”
قلم ازدهار عبد الحليم


