خواطر

للزكاة فاعلون بقلم أ.د. عبد الحفيظ الندوي

هناك الملايين في بلادنا يعانون من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وكساء ومسكن وتعليم وعلاج ومياه وإنارة. ولو وُجد نظام فعال لجمع الزكاة وتوزيعها، لأمكن حل كل هذه المشكلات من خلال أموال الزكاة التي تُجمع كل عام.
إن العبادات في الإسلام ليست مجرد استكمال لروحانية الإنسان فحسب، بل هي تهدف أيضاً إلى تلوين جوانب حياته المادية بالرفاهية. فإذا كانت الصلاة والصوم والحج لتعزيز الروحانية، فإن الزكاة تستهدف استقرار الحياة المادية. إنها الوسيلة الأنجع التي شرعها الخالق للقضاء على الفقر، وهي شعيرة إلزامية بالغة الأهمية في الإسلام.
بينما نستذكر زمناً لم يكن فيه من يقبل الزكاة (لغنى الناس)، نجد أنفسنا اليوم قد تحولنا إلى مجتمع ينهشه الفقر. إن زيادة عدد السائلين والمحتاجين إنما حدثت بسبب التقصير في تطبيق نظام الزكاة. وكما تُؤدى العبادات جماعةً، فإن أثر الزكاة لا يتجلى بوضوح إلا حين تُنفذ بشكل مؤسسي ومنظم.
“وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” (البقرة: 43)

كثيرون يتساءلون: هل صليت؟ هل صمت؟ هل حججت؟ لكن نادراً ما يسأل أحد: هل أديت زكاتك؟ والسبب هو إهمالنا لهذا الركن العظيم
“خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (التوبة: 103)

بالزكاة تطهر الأموال وتزكو الأرواح. ومن بخل بحق العباد في ماله الذي رزقه الله، تنجس ماله وتلوثت نفسه. فالزكاة تنزع من قلب المزكي رذائل البخل والطمع والأنانية، وتداوي آلام الفقراء وجوعهم، وتمحو غلهم وكرههم تجاه الأغنياء، فتنمو قيم الأخوة وحب الخير للغير.
وقد حدد القرآن الكريم منذ بدايته من هم الفائزون بالنجاة والفلاح في الآخرة:
“الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ… أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (البقرة: 1-5)

إن بناء المساجد ورعايتها وتعيين الأئمة والخطباء هو في الأصل مسؤولية الدولة الإسلامية، وفي غيابها، يتعين على المسلمين بناء مساجد بجهودهم الخاصة وإقامة الجمعة والجماعة، وهذا هو حال الأقليات المسلمة في معظم البلاد. وكذلك هو الحكم بالنسبة للزكاة.
إن أنظمة “الزكاة” واللجان المحلية لم يرد ذكرها صراحة في القرآن أو السنة أو حتى في مؤلفات السلف كأئمة المذاهب، ومع ذلك طالما قبلنا بوجود “لجان المساجد” لإدارة شؤوننا، فما المانع من تشكيل “لجان للزكاة”؟
للصلاة حساب (مواقيت وركعات)، وللصيام حساب، وللحج حساب، وللزكاة أيضاً حساب دقيق. العبادة لا تكون عبادة إلا إذا أديت بحسابها ومقاديرها. يجب أن نفهم أن الزكاة ليست مجرد دراهم معدودة نلقي بها للمحتاجين.
“وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ” (فصلت: 6-7)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى