مكتبة الأدب العربي و العالمي

#بنات_العطّار _الجزء_الخامس

نهضت ياسمينة مبكرا في الصباح كعادتها لكن هذا اليوم كانت رائقة المزاج كامل الليل كانت تتذكر اللحظات التي إقترب فيها ذلك الولد منها لقد رأت في عينيه الحب والعشق و بدأ يعجبها أما الآن فتحول ذلك الإعجاب إلى غرام

كان ذلك الفتى وسيما ولطيفا ملأ عليها حياتها ونسيت وحدتها وغياب أبيها هتفت: هيا يا بنات ستأتي العمة عيشة يجب أن يكون كل شيئا مرتبا والشاي جاهزا قلن لها لا يزال الوقت باكرا دعينا ننام فلقد سهرنا البارحة كثيرا

لكن ياسمينة كانت متحمسة جدا اليوم وتنتظر أن تخطبها العجوز وإعتقدت أنها أم ذلك الولد فرغم هيأتها إلا أنها تبدو أصغر سنا وهي جميلة وفاتحة العينين لقد لاحظت إهتمامها الشديد بها من دون إخواتهاوهذا جعلها تشعر بالسعادة

أتمت البنت كل شغل البيت بمفردها و عجنت الخبز وأعدت المائدة وعليها كل ما تشتهيه النفس من بيض وعسل ومربّى المشمش الذي صنعته بنفسها من ثمار الشجرة التي وسط الدار

لما إستيقظت أخواتها إندهشن وقلن لها ما هذا كله كأنك تنتظرين عريسا وتهامسن فيما بينهن فقد علمن أيضا أن تلك الفتاة هي ولد جاء لرؤية أختهم الصغرى ولما ألقى شعره البارحة عرفوه من صوته لكنهن سكتن من أجل ياسمينة فقد لاحظن وقوعها في الحب وكانت حكايتها مع ذلك الولد تسليهنّ كثيرا

أدركت ياسمينة أن أخواتها عرفن بكل شيئ فأحست بالخجل وإحمر وجهها

بعد قليل قالت البنت الكبرى: نحن نجلس حول المائدة منذ ساعة ولم يأت أحد لقد تعودا على المجيئ في هذا الوقت مرت الساعات وياسمينة لا تفارق النافذة وكلما رأت إمرأة ترافق فتاة ظنتها العجوز عيشة ونادت عليها

مرت السّاعات ولم يقترب أحد من الدار أحست بغصة في حلقها ثم دخلت حجرتها ودست وجهها بين يديها وشرعت في البكاء بصمت وتناثرت دموعها حتى بللت ثيابها .

لمّا رأتها أخواتها على تلك إلحالة قلن لها هوني عليك فالغائب حجته معه ربما تنتظر العجوز رجوع أبي لتخطبك منه لا تنسي أننا عصينا أبانا صالح وأدخلنا غريبا إلى الدار
ولو علم سيغضب منا بشدة فلماذا إذن هذا البكاء ؟
أجابتهم : أتركوني وشأني وأخفت رأسها تحت المخدة

في المساء لم تخرج من غرفتها ولما ذهبوا لرؤيتها إنزعجن من حالتها فلقد كانت تنظر إلى الحيطان حولها و لا تتكلم
في تلك الليلة لم تتعشى معهن

في الصباح إجتمعن البنات وقالت إحداهن: ياسمينة لا تزال طفلة ويبدو أنهّا عشقت ذلك الولد ووجدت شيئا يسليها بعد سنة الحزن التي مرت بعد وفاة أمنا ما هو مأكد أنها تريد أن تخرج من هذا الألم وأبونا جعل حياتنا صعبة بكثرة خوفه علينا والنتيجة أننا بقينا نعيش مع ذكرياتنا ولم نقدر أن نودع أمنا

أجابت أخرى: هذا صحيح أعتقد أنه يجب أن نفعل شيئا من أجل ياسمينة فأنا لا أطيق أن أراها على هذه الحالة
قالت الكبرى سأتنكر وأخرج للبحث عنهما لا بد أن أحدا يعلم عنهما شيئا

أجابت البنات: لو رآك أحد الجيران ستكون مصيبة
قالت : لن يراني أحد سأتسلل عند الفجر وأحمل في يدي سلة مشمش لأظهر كأحد البائعات
قلن لها حسنا غدا سنطل من السطح ولما يكون الزقاق فارغا سنلوح لك منديل فتخرجين بسرعة .

في فجر الغد تسللت الكبرى كالشبح ونزلت إلى السوق وبدأت تسأل التّجار عن عجوز تمر كل صباح مع إبنتها الشابة لكن لم يعرفها أحد واصلت التّقدم حتى خرجت من السوق وأحست بالتعب جلست لتستريح

فسمعت صوتا يطلب منها حبّة مشمش ولما إلتفتت إليه وجدت متسولا مقطوع الساق فقالت له: هل تجلس دائما هنا أجابها نعم إني أمضي يومي هنا وآكل مما يجود به المحسنون

أعطته أربعة حبات مشمش فأكلهم ورمى النوى نظر إليها وقال: كأنك تبحثين عن شيئ فنظراتك هائمة،
سألته :هل مرت بك عجوز حسنة الوجه مع إبنتها الشقراء ؟

ضحك الشيخ وقال آه ،تقصدين خديجة قهرمانة القصر تلك المرأة ليس لها أبناء وهي في خدمة الأمير محمود منذ أن كان طفلا
تعجبت البنت وقالت: هل أنت متأكد ؟
رد عليها كل صباح تخرج صدقة للفقراء وهي لن تتأخر كثيرا في المجيء

بعد لحظات هتف لها : أنظري هناك لقد جاءت هي وعبيدها مع الطعام كانت تردي ثوبا من الحرير الغالي وتضع أساور الذهب حول يديها ،لما إقتربت منهم عرفتها فهي نفس المرأة التي تأتيهم إلى الدار. لم يكن أدنى شك في ذلك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق