الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

من وحي المسافات١٣

الدكتورة كريمة نور العيساوي

في خضم هذا الركض المحموم خلف سرابٍ يلمع من بعيد، نغفل عن أشياء صغيرة، لكنها عظيمة، لحظات كان يمكن أن ترفعنا فوق كل المنغصات، وتحرر أرواحنا من أثقال المظاهر الخانقة والماديات الجارفة التي تكاد تعصف بجذور وجودنا. صورٌ تتسارع بلا عمق، بلا صدق، تُساق إلينا كأطياف فرحٍ زائف، تتسابق لتجد لها مكانًا على قمة هرمٍ من وهم، هرم لا يثبت على أرض، بل يذوب في فضاء افتراضي، تولد فيه الصور وتموت، ويُساق البشر في ماراطونٍ لا ينتهي، ماراطون يقتات على زيف الشهرة، ويُغذي هوسًا محمومًا يفتك بالقلوب والعقول.
هناك، في كبسولات مرقمة بعناية، تُدار لعبة كبرى، داخلها مفقود، وخارجها مولود، أقنعةٌ تلازمنا، وأوهامٌ تحاصرنا، حتى غدونا أسرى سباقٍ لا يعرف الرحمة، سباق يبيعنا الوهم ويشتري منا الصدق، ويتركنا نتعثر بين صور براقة لكنها بلا روح، بلا جذور، بلا أفق.
ولنا أن نتساءل أين تُخبّئ الروح سكينتها التي تزرع النور في عتمة القلوب؟ تلك القلوب التي أنهكها الركض خلف لقمة العيش، وتعبت من مطاردة الرزق الحلال في دروب الحياة الوعرة. إن السكينة ليست هدية تُلقى صدفة في طريقنا، بل هي ثمرة صبر طويل، ووعي داخلي يعلّمنا كيف نحوّل التعب إلى معنى، وكيف نجعل من كل خطوة في رحلة الكدح صلاةً صامتة تُضيء القلب. هي لحظة صدق مع الذات، حين نسمح لأنفسنا أن نتوقف وسط الزحام، ونصغي إلى همس الروح وهي تذكّرنا بأن النور لا يُطفئه العناء، بل يزداد إشراقًا كلما حملناه بإيمان. لندرك أن السكينة تنبت في تفاصيل صغيرة: في ابتسامة طفل، في كلمة طيبة، في بيت شعر يُعيد إلينا دفء الأمل، أو في دعاء ينساب من القلب كالماء الرقراق. إنها جسر بين الأرض والسماء، بين الجسد الذي يسعى والروح التي تتأمل، بين اليوم المرهق والغد الذي يَعِد بالطمأنينة. وحين ندرك أن الرزق ليس فقط ما يُسدّ به الجوع، بل أيضًا ما يُغذّي الروح بالرضا واليقين، نكتشف أن السكينة كانت دائما قريبة، تنتظر أن نفتح لها أبواب القلب لتزرع فيه نورا لا ينطفئ.
لكن يا للأسف هذا المعنى ذاب بين صفحات مرقمنة تسعى إلى زرع الفتنة فينا حيث غدا كل قنوع خنوع، وكل راض بقدره لا يستحق المعاشرة. ألسنة تلهج صباح مساء تدعو إلى نبذ الرضا، والدعوة إلى تسلق سلم الشهرة التي غدت سلم نجاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى