الرئيسيةمقالات

أمّ الفحم بين الذاكرة الشعبية والتاريخ المدوَّن

دراسة نقدية في أصل لقب «أمّ النور» ونسبته التاريخية إعداد: الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

الانتماء الأكاديمي:

رئيسة المجلس الأكاديمي الأعلى – NISA Women’s College

كيرالا، الهند

نبذة عن الباحثة

الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية باحثة وأكاديمية فلسطينية متخصصة في اللغة العربية، الدراسات الثقافية، وقضايا الهوية والذاكرة الجمعية. تشغل منصب رئيسة المجلس الأكاديمي الأعلى في NISA Women’s College – كيرالا / الهند. لها إسهامات علمية وأدبية متعددة تشمل كتبًا لغوية، روايات، دواوين شعرية، وأبحاثًا أكاديمية محكّمة.

تركّز اهتماماتها البحثية على تحليل الخطاب، رمزية المكان، الذاكرة الجماعية، والعلاقة بين اللغة والهوية، إضافة إلى تعليم العربية للناطقين بغيرها. شاركت في مؤتمرات دولية، وتلقّت دعوات أكاديمية من جامعات عديدة حول العالم

الملخّص

يتناول هذا البحث أصل لقب «أمّ الفحم – أمّ النور»، المتداول في الخطاب الفلسطيني المعاصر، مع التركيز على الرواية الشعبية التي تنسب إطلاق هذا اللقب إلى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس. يعتمد البحث على المنهج التاريخي النقدي وتحليل المصادر المملوكية والعثمانية، إلى جانب دراسة مفهوم الذاكرة الشعبية بوصفها مكوّنًا هوياتيًا لا يرقى بالضرورة إلى مرتبة التوثيق التاريخي. ويخلص البحث إلى أن لقب «أمّ النور» تعبير رمزي حديث، لا سند تاريخيًا موثّقًا له في المصادر الكلاسيكية، مع التأكيد على أهميته الثقافية والوطنية في الوعي الجمعي.

الكلمات المفتاحية: أمّ الفحم، أمّ النور، الظاهر بيبرس، الذاكرة الشعبية، التاريخ المملوكي، الخطاب الرمزي.

المقدّمة

تحتلّ أسماء الأماكن وألقابها موقعًا مركزيًا في تشكيل الهوية الجمعية، إذ تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ، والذاكرة بالخطاب السياسي والثقافي. وتُعدّ مدينة أمّ الفحم نموذجًا بارزًا لهذه الظاهرة، حيث اقترن اسمها في العقود الأخيرة بلقب «أمّ النور»، حتى غدا جزءًا من توصيفها الرمزي.

غير أن شيوع هذا اللقب أفرز تساؤلًا إشكاليًا:

هل يعود أصل لقب «أمّ النور» إلى تسمية تاريخية أطلقها السلطان الظاهر بيبرس، أم أنه نتاج حديث للذاكرة الشعبية والخطاب المعاصر؟

يسعى هذا البحث إلى معالجة هذا السؤال معالجة علمية، بعيدًا عن التقديس أو النفي العاطفي، عبر الرجوع إلى المصادر التاريخية وتحليل السياق الثقافي لتشكّل اللقب.

أولًا: الإطار المنهجي والنظري

يعتمد البحث على:

  1. المنهج التاريخي النقدي: لفحص النصوص والمصادر الأصلية وتحليل غياب أو حضور التسمية.
  2. منهج تحليل الخطاب: لفهم كيفية تشكّل لقب «أمّ النور» في السياق الحديث.
  3. مفهوم الذاكرة الشعبية (Collective Memory): كما طرحه موريس هالبفاكس، بوصفها ذاكرة رمزية تُعبّر عن الحاجات النفسية والهووية للجماعة، لا عن الوقائع بالضرورة.

ثانيًا: أمّ الفحم في المصادر التاريخية

1. في العصر المملوكي

بمراجعة أهم المصادر المملوكية، مثل:

  • ابن شداد: الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة
  • النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب
  • المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك

لا نجد ذكرًا لأمّ الفحم بوصفها مدينة ذات شأن إداري أو عسكري، ولا ورودًا لأي لقب رمزي مرتبط بها. ويشير ذلك إلى أن:

  • أمّ الفحم كانت تجمعًا ريفيًا،
  • لم تكن مركزًا سلطانيًا أو عمرانيًا يستدعي تدخّل السلطان في تسميتها أو تلقيبها.

2. الظاهر بيبرس وسياسة التسمية

اشتهر الظاهر بيبرس بإعادة بناء المدن الاستراتيجية، وتخليد اسمه في:

  • المساجد (كالجامع الظاهري)،
  • القلاع والحصون،
  • المدن الساحلية ذات الأهمية العسكرية.

وجميع هذه المشاريع موثّقة نصيًا ونقشيًا، بينما تغيب أمّ الفحم تمامًا عن هذا السياق، ما ينفي علميًا نسبة لقب «أمّ النور» إليه.

ثالثًا: أمّ الفحم في العهد العثماني

تظهر أمّ الفحم في:

  • دفاتر الطابو العثمانية،
  • والسجلات الضريبية،

بصفتها قرية زراعية، دون ألقاب توصيفية رمزية. ويُلاحظ أن الاسم ظلّ ثابتًا: «أمّ الفحم»، دون إضافة «النور» أو غيرها.

رابعًا: الذاكرة الشعبية ورواية الظاهر بيبرس

1. طبيعة الرواية

تندرج نسبة اللقب إلى الظاهر بيبرس ضمن:

  • الروايات الشفوية المتداولة،
  • التي لا يُعرف تاريخ ظهورها بدقة،
  • ولا تستند إلى وثيقة مكتوبة.

2. الوظيفة الرمزية

لا يمكن فصل هذه الرواية عن:

  • الرغبة في إضفاء عمق تاريخي على المكان،
  • وربط المدينة بشخصية إسلامية بطولية جامعة،
  • وتعزيز المكانة المعنوية لأمّ الفحم في الوعي الفلسطيني.

خامسًا: تشكّل لقب «أمّ النور» في الخطاب المعاصر

يبرز لقب «أمّ الفحم – أمّ النور (والنار)» بوضوح منذ أواخر القرن العشرين، خاصة في:

  • الخطب الدينية،
  • الخطاب الوطني،
  • الإعلام المحلي.

ويُحمَّل «النور» دلالات:

  • الوعي،
  • الهداية،
  • الثبات على الهوية،

بينما تُضاف «النار» بوصفها رمزًا للمواجهة والصمود.

سادسًا: من التاريخ إلى الرمز

يفرّق البحث بين:

  • الاسم التاريخي: أمّ الفحم (ثابت موثّق)،
  • اللقب الرمزي: أمّ النور (نتاج حديث).

وهذا التحوّل ليس نقصًا، بل دليل على حيوية المكان وقدرته على إنتاج معناه.

الخاتمة

يخلص البحث إلى النتائج الآتية:

  1. لا يوجد أي دليل تاريخي موثّق يثبت أن الظاهر بيبرس أطلق على أمّ الفحم لقب «أمّ النور».
  2. الرواية المتداولة تنتمي إلى الذاكرة الشعبية لا إلى التاريخ المدون.
  3. لقب «أمّ النور» تشكّل في السياق الفلسطيني المعاصر بوصفه رمزًا هوياتيًا ونضاليًا.
  4. الفصل المنهجي بين الرمز والتاريخ ضرورة علمية، دون إنكار القيمة الثقافية لأيٍّ منهما.

(قائمة المراجع (نموذجية)

  • ابن شداد، عزّ الدين. الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة.
  • المقريزي، تقي الدين. السلوك لمعرفة دول الملوك.
  • النويري، شهاب الدين. نهاية الأرب في فنون الأدب.
  • هالبفاكس، موريس. الذاكرة الجماعية.
  • مصطفى مراد الدباغ. بلادنا فلسطين.
  • سجلات الطابو العثمانية – لواء جنين

إغلاق