مقالات
كرة القدم والهوية الوطنية: لماذا تتحول المباريات الدولية إلى أزمات سياسية؟
بقلم . إكرامي هاشم ممثل منظمة همسة في إيطاليا

لم تكن كرة القدم يومًا مجرد 90 دقيقة من اللعب، ولا مجرد أهداف تُسجَّل وتنتهي بصافرة الحكم. فمنذ بداياتها، خرجت هذه اللعبة من حدود الترفيه البسيط، لتتحول إلى مساحة تختلط فيها السياسة بالهوية، والتاريخ بالذاكرة الجماعية، وأحيانًا… بالدم والرصاص. في لحظات معيّنة، لم تكن كرة القدم وسيلة للتقارب بين الشعوب، بل شرارة أشعلت أزمات سياسية ودبلوماسية، بل وحروبًا حقيقية.
الجدل الأخير بين الجماهير المصرية والمغربية، على خلفية ما رافق عزف السلام الوطني المصري في مباراة المنتخب المصري مع نظيره النيچيري كأس الأمم الإفريقية، لا يمكن فهمه بوصفه حادثًا معزولًا أو انفعالًا عابرًا، بل يأتي في سياق تاريخي طويل يثبت أن كرة القدم كانت – ولا تزال – ساحة صراع رمزي بين الدول، تُسقَط عليها التوترات السياسية والمشاعر القومية المكبوتة.
التاريخ يقدم لنا أمثلة صارخة على ذلك. ففي عام 1969، تحولت مباريات تصفيات كأس العالم بين هندوراس والسلفادور إلى شرارة أشعلت ما عُرف بـ«حرب كرة القدم». ورغم أن الخلافات الحدودية وأزمة المهاجرين كانت قائمة مسبقًا، فإن الأجواء المشحونة في المدرجات والخطاب الإعلامي التحريضي عجّلت بالانفجار، لتندلع حرب عسكرية استمرت نحو مئة ساعة، قُتل خلالها الآلاف. لم تكن كرة القدم السبب الوحيد، لكنها كانت القادح الذي أشعل برميل بارود جاهزًا للانفجار.
وفي عام 1986، لم تكن مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم مجرد مباراة عادية، بل امتدادًا رمزيًا لحرب جزر الفوكلاند التي انتهت قبلها بأربع سنوات. هدف مارادونا الشهير «يد الله» لم يُستقبل في الأرجنتين كخطأ تحكيمي، بل كنوع من العدالة التاريخية، فيما تحوّل هدفه الثاني إلى رمز لانتصار قومي يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ومنذ ذلك اليوم، باتت كل مواجهة بين المنتخبين تُقرأ سياسيًا قبل أن تُقرأ كرويًا.
وفي العالم العربي، لا تزال أزمة مصر والجزائر عام 2009 حاضرة في الذاكرة. مباراة تصفيات كأس العالم كادت أن تتحول إلى قطيعة سياسية حقيقية، بعد اعتداءات متبادلة وتصعيد إعلامي غير مسبوق، وصل إلى حد استدعاء السفراء وتأجيج الشارع في البلدين. احتاجت العلاقات بين الدولتين سنوات طويلة لتتعافى، بعد أن كادت كرة القدم تترك جرحًا سياسيًا عميقًا.
حتى في أوروبا، سبقت كرة القدم أحيانًا اندلاع الحروب. ففي عام 1990، تحولت مباراة بين دينامو زغرب وريد ستار بلغراد إلى اشتباكات عنيفة وهتافات قومية وعرقية، اعتبرها كثير من المؤرخين إنذارًا مبكرًا لانفجار حرب البلقان، حيث عبّرت المدرجات عمّا كان يُختمر سياسيًا وعرقيًا في العمق.
وعلى الجانب الآخر، لم تَغِب السياسة حتى عن المباريات التي حاولت لعب دور التهدئة. ففي كأس العالم 1998، وُصفت مباراة إيران والولايات المتحدة بأنها الأكثر سياسية في تاريخ المونديال، في ظل توتر دبلوماسي حاد بين البلدين، قبل أن تتحول إلى مناسبة لإرسال رسائل سلام رمزية، عبر تبادل الورود والصور الجماعية.
كل هذه الأمثلة تؤكد أن مباريات المنتخبات ليست مجرد منافسة رياضية، بل مواجهات محمّلة بالرموز السيادية، من علم ونشيد وتاريخ، وساحات لتفريغ الغضب القومي، ومواد جاهزة للإعلام الشعبوي، ولحظات انفعال جماعي يصعب التحكم فيها.
ومن هنا، فإن ما حدث بين الجماهير المصرية والمغربية، مهما كان مستفزًا أو مرفوضًا، لا يجب أن يُقرأ كعداء بين شعبين. فالعلاقات بين مصر والمغرب أعمق من مباراة، وأرسخ من هتاف، وأكبر من تصفير في مدرج. التاريخ يعلّمنا أن أخطر ما في كرة القدم ليس الخسارة، بل تحميلها أكثر مما تحتمل.
في النهاية، تظل كرة القدم مرآة للمجتمع. إما أن تعكس أجمل ما فينا من شغف وتنافس شريف، أو أسوأ ما فينا من تعصب وكراهية. والتحدي الحقيقي ليس في الفوز بالمباريات، بل في الخروج منها دون خسارة القيم، ودون أن تتحول المدرجات إلى ساحات صراع، ولا الأناشيد إلى وقود للفتنة بين الشعوب
