مكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا ” جابر عثرات الكرام “

عمر عبد الرحمن نمر

الذين لا يسألون الناس إلحافاً، يتميزون بعزة نفس وشمم وإباء، كما يتميزون بصبر عجيب، وإيمان عميق… وثقة بالله…

واحدة من العائلات الفلسطينية، وفي شهر رمضان الفضيل، وقد تعطّل رب الأسرة عن العمل، كان فطورها خبزاّ يُغمّس في الشاي، وسحورهم مثله… عائلة فيها من الأطفال ما فيها، وأم صابرة على البلاء، ورب أسرة مقهور… وصدر المصطبة أنظف من قاعها، والطناجر والصحون في المطبخ مجلية نظيفة محفوظة، كأنها في متحف تراثي… والبطون تتلوّى جوعاً وعطشاً في الصيام…

دخل رمضان وهو عاطل عن العمل، ومن الطبيعي أن يبقى عامل المياومة عاطلاً عن العمل في رمضان، فالورش عادة تغلق أبوابها في شهر الصوم، وكذلك أعمال الناس كلها تنتظر إلى ما بعد العيد… والرجل طفر… وازداد حنقاً عندما ناداه صاحب الدكان يطالبه بسداد دينه، بل يوبّخه على قلة السداد… ويطلب منه أن لا يأتي لشراء شيء من الدكان دون مصاري… نزلت دمعات غنية من عينيه… كلما ازداد فقراً ازدادت دمعاته غنىً… تلعثم أمام صاحب الدكان… وقد سمعه أحد جيرانه، وقال بصوت مبحوح ” اللهم إني صائم… اللهم إني صائم…” ومشى…

كيف يواجه الولايا التي اعتاد على دعوتهن في رمضان، والإفطار على مائدته، هنّ وأولادهنّ وأزواجهنّ؟ إنه لا يستطيع أن ينظر في وجوه أطفاله وزوجته… ولا إلى وجهه في المرآة… انسدّت الدنيا في وجهه، ولم يعد يرى منها أكثر من خرم إبرة… ولم يتبقّ في برميل الطحين أكثر من عجنة أو عجنتين… ويغادر الطحين، ويبقى الشاي وحيداً في ميادين الفاقة والفقر…

تدمع عيناه وهو يرى أطفاله يغمسون لقمهم في الشاي، ولا يتذمرون… ويتخيل ولائم الناس الشهية، وعصائرهم المنوعة… وحلوياتهم اللذيذة…

توضأ قبل السحور استعداداً للصلاة، سمع خرخشةً على بوابة الدار، ظنّ أن الصوت من مجموعة من القطط أتت تلقّط رزقها… فتح الباب، ويا هول ما رأى… كيساً من الطحين، وتنكةً من الزيت، وكيسين كبيرين… وعلى ظهر أحدهما صرة قماشية، فتحها… لم يصدق… دنانير… دنانير كثيرة… يا الله صاح… يا فارج الكروب… أدخل الخيرات إلى البيت، وأيقظ العائلة بصوت فَرْحة كسيرة… وفتح الكيسين، وبدأ يرتب السحور الرمضاني اللذيذ: جبن، وقمر الدين، وحلاوة، و… و..

رفع كفّيه إلى السماء… وواصل دعواته للخيّر الذي لم يعرفه… الخيّر السّريّ… جابر عثرات الكرام… في الصباح انطلق إلى الدكان، وسدّد ما عليه من ديون… ثم انطلق إلى ولاياه يدعوهن إلى إفطار مبارك… وفي سرّه وعلانيته يدعو لجابر عثرات الكرام…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 5 =

إغلاق