خواطر

الإفطار الرمضاني: بين جوهر العبادة وفتنة المباهاة

بقلم أ.د. عبد الحفيظ الندوي

​إن صيام شهر رمضان المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تمرين روحي عميق يذيق الإنسان مرارة الجوع وشدة العطش، ليقوده إلى رحاب الرحمة والتوبة، ويسمو به نحو التطهير الذاتي. إنها أيام مباركة ينبغي أن تحفزنا على استشعار معاناة الفقراء ومد يد العون إليهم. إن روح الصيام الحقيقية تكمن في العبادة، والرحمة، والبساطة، والمشاركة، وضبط النفس.

​إلا أن الواقع الذي نعيشه اليوم يصدمنا بتناقضه الصارخ مع هذه المبادئ؛ فقد تحولت “مآدب الإفطار” إلى ساحات للتبذير والمباهاة والتعالي. إنها حقيقة مؤلمة لا يمكن إنكارها، فبدلاً من أن ننهي يومنا الصيام ببساطة وخشوع، نرى تسابقاً محموماً نحو الأطعمة المقلية المشبعة بالزيوت المكررة، واللحوم المفرطة التي تثقل كاهل المعدة وتجلب الأمراض. إننا نتجاهل الهدي النبوي في اعتدال المأكل، ونغرق في أطعمة تضر بالصحة وتدمر أجهزتنا الهضمية، وهو ما يفسر الانتشار المخيف لأمراض نمط الحياة بين المسلمين اليوم؛ حيث نضحي بصحتنا البدنية واستقرارنا النفسي من أجل أطعمة مفرطة.
​إن الإفطار في جوهره تذكير عملي بمعاناة الجوع، لكنه تحول في أيدينا إلى ولائم تنافسية ومهرجانات للاستعراض. بات السؤال المحوري في هذه المجالس: مَن أعدَّ أصنافاً أكثر حداثة؟ ومَن أقام وليمة أكثر فخامة؟ إن هذا النهج التنافسي يبعدنا بمسافات شاسعة عن القيم الأخلاقية السامية للصوم.
​وما يزيد الطين بلة هو حضور بعض الشخصيات البارزة في المجالات الدينية والسياسية لهذه الموائد الفارهة، مما يرسل رسائل سلبية خطيرة. فعندما يقبع القادة، الذين يُفترض بهم أن يجسدوا البساطة وضبط النفس، حول موائد مترفة ويتصنعون الود، فكيف سينظر إليهم عامة الناس؟ وما هي القدوة التي يقدمونها؟ إن هذا السلوك يرسخ في المجتمع مفاهيم مغلوطة، ويحول الصوم من رحلة روحية إلى منصة للاستعراض والتباهي.
​إن موائد الإفطار فرصة عظيمة لتعزيز الروابط الاجتماعية، ولكنها لا تكتسب قيمتها إلا إذا كانت روحانيتها، ووعيها الصحي، وروح الخدمة فيها هي التي تتصدر المشهد. أما حينما يطغى التكبر والتبذير على بساطة العطاء، فإن روح الصيام تتلاشى وتغيب.
​لذا، فإن على كل مؤمن أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية لإعادة الإفطار إلى مساره القويم. إن الإفطار لا يكون ذا قيمة إلا إذا اقترن بالطعام البسيط، وبمشاركة الفقراء، وبالوعي الصحي، والتأمل الروحي. فليكن هدفنا إحياء القيم، لا إبهار الأبصار، ولا تدعوا عبق الروحانيات يضيع وسط فورة النكهات والموائد المترفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى