خواطر

لمحالت تعبدية في نفحات العشر من ذي الحجة

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

تظل الوجود نفحات ربانية مباركة، تتجلى في العشر الأوائل من ذي الحجة ؛ الأيام التي أقسم الله بها في كتابه تعظيما لشأنها، وجعلها ميدانا للسباق نحو مرضاته. إنها موسم لتجديد العهد مع الله، وفرصة لاستدراك ما فات من العمر، حيث تجتمع فيها أمهات العبادات من صلاة، وصيام، وصدقة، وحج، وذكر، ما لا يجتمع في غيرها من الأزمان.

فضل العمل واستحباب زيادة الصيام

تتميز هذه الأيام بأن العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من كل ما سواها، كما ورد في الحديث النبوي الشريف. ومن أعظم الطاعات التي ينبغي للمؤمن أن يلازمها فيها: زيادة الصيام وتتابعه. فالصوم عبادة خفية سرية بين العبد وربه، وإضافته إلى شرف الزمان يزيده رفعة وثوابا.
سن صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة، وتأكيد صوم يوم عرفة لغير الحاج، حيث يكفر السنة الماضية والباقية. إن صيام هذه الأيام ليس جوعا وعطشا، بل هو تأديب للنفس وتحلية لها بالخشوع، واستجابة لنفحات الكرم الإلهي.

رأي الإمام مالك في جواز القضاء لمن نوى ستا من شوال

ومن لطائف الفقه وتيسير الشريعة التي يمكن أن تتقاطع مع هذه الأزمان المباركة، ما يتعلق بمن نوى صيام الست من شوال فعاقه عنها عائق، أو أراد قضاءها أو مثلها في أيام أخرى كالعشر.
فعند الإمام مالك بن أنس-رحمه الله- وجماعة من فقهاء المالكية، لا ينحصر فضل صيام الست في شهر شوال تعيينا حتميا يفوت الأجر بفواته. بل إن المقصود الشرعي عنده هو تحصيل ثواب صيام ستة أيام بعد رمضان ليكون المجموع كصيام الدهر (الحسنة بعشر أمثالها).
بناء على هذا التأصيل الفقهي، يصبح جائزا مشروعا قضاء أو صيام هذه الست النافلة في غير شوال، ومنها أيام العشر من ذي الحجة لمن أراد جمع الفضلين أو تدارك ما فاته. والمالكية يرون أن عدم تقييدها بشوال يدفع عن العامة اعتقاد وجوبها، ويفتح باب التطوع بالست في أي أيام أخرى من السنة.

خواطر تربوية في ظل الموسم

إن الجمع بين عبادة الصيام والتأمل الفقهي السمح يجعل نفس المؤمن منشرحة للإقبال على الطاعة. وتتجلى هذه الأيام كمحطة تربوية تعكس سعة رحمة الله. فمن حرم التطوع في شوال، فإن مذهب إمام دار الهجرة يفتح له باب الأمل ليصوم فيها، ومن أراد الاستزادة فإن صيام العشر مشروع مستحب.
تأتي هذه الخواطر لتذكرنا بأن الشريعة مبنية على اليسر، وأن الأزمان المباركة منافذ ربانية للتطهير والتقرب. فالسعيد من غنم دقائقها، وشغل لسانه بالتكبير والتحميد، وأضاء قلبه بالصيام والقيام، مستحضرا أن النية الصالحة تبلغ ما لا يبلغه العمل، وأن رب المواسم جواد كريم لا يرد من أقبل عليه بقلب سليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى