الرئيسيةمقالات

حين تخطئ حركة… وتنكشف حكاية لغة

د، فاطمة ابوواصل إغبارية

حين تخطئ حركة… وتنكشف حكاية لغة
========================

ليست كل الأخطاء اللغوية أخطاءً عابرة؛ بعضُها يفتح بابًا للتأمل.
كلمة كُتبت على عجل، حركة سقطت من مكانها، أو ضمير استُبدل بآخر… فتظهر أمامنا حقيقة أكبر من الخطأ نفسه.

في زمن السرعة، أصبح كثيرون يقرأون المعنى العام ولا ينتبهون إلى التفاصيل التي تمنح اللغة روحها. تمرّ عبارةٌ مكسورة، أو تركيبٌ مضطرب، فلا يتوقف عنده أحد، كأن اللغة لم تعد بيتًا نسكنه، بل طريقًا نعبره بأسرع ما يمكن.

والمفارقة أن الناس اليوم يتنافسون على تعلّم لغات العالم، وهذا جميل ومطلوب؛ فاللغات مفاتيح للعلم والعمل والانفتاح. لكن السؤال الأعمق ليس: كم لغة نتقن؟
بل: هل ما زلنا نُحسن الإصغاء إلى لغتنا الأولى؟

العربية ليست لغة الماضي كما يظن البعض، وليست منافسًا للإنجليزية أو لغيرها. إنها الوعاء الذي تشكّلت فيه الذاكرة، والفكرة، والإحساس. ومن يتقن لغته الأم لا يصبح أقل قدرة على تعلّم اللغات الأخرى، بل أكثر وعيًا بها.

الدول التي تقود الصناعة والتقنية لم تصل إلى ذلك لأنها تخلّت عن لغاتها، بل لأنها أتقنت لغتها أولًا ثم خاطبت العالم بلغاته. القوة لا تأتي من استبدال لغة بأخرى، بل من القدرة على الوقوف بثبات في لغتك وأنت تمد يدك إلى لغات العالم.

ليست القضية أن نُخرج أبناءنا من العربية إلى الإنجليزية، ولا أن نحبسهم داخل العربية ونغلق النوافذ. القضية أن نعلّمهم أن اللغة ليست أداةً للكلام فقط، بل طريقةٌ للتفكير.

فمن فقد دقة لغته… خسر شيئًا من دقة رؤيته للعالم.
ومن حافظ على لغته… لم يغلق باب العالم، بل دخل إليه وهو يعرف من يكون

ولعلّ أجمل ما يكشف قيمة العربية أن الفرق أحيانًا لا يحتاج إلى كلمة كاملة، بل إلى حركة واحدة فقط.
فحين يُقال: «الصور التي حذفتُها» يكون المعنى أن المتكلم نفسه هو الذي حذف الصور، أما حين تُكتب: «الصور التي حذفتَها» فالمقصود أن المخاطَب هو من قام بالحذف.
الفرق بين الضمة والفتحة على حرف واحد نقل الفعل من شخص إلى آخر، وغيّر المعنى كله. وهنا تتجلّى عبقرية العربية؛ فهي لغة لا تمنح الحروف وحدها قيمة، بل تجعل للحركات دورًا في صناعة المعنى ودقّته.

هذه التفاصيل الصغيرة تذكّرنا بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل نظام دقيق يحمل الفكر كما نحمله نحن

دمتم سالمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى