خواطر

تقلب القلوب.. رحلة الروح من الضياء إلى الرجاء

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

​ليس الإيمان في قلب المؤمن نقشاً جامداً على حجر صلد لا يناله التغيير، بل هو نورٌ حيّ، يمتزج بأنفاس الروح ويخفق مع نبضات الفؤاد. هو حالة من السموّ الدائم، لكنها تسكن في جسدٍ بَشريّ تعتريه الغيوم كما تشرق فيه الشموس. إن هذا القلب الذي بين جنبيك سمي قلباً لتقلب أحواله، فهو تارةً يحلّق في ملكوت السماوات، وتارةً يخلد إلى هدوء الأرض ومواجعها.

​تمرّ بالعبد نسمات من الفجر تشرق معها الروح بفيض من النور، فتجد النفس مقبلة على الطاعات بلا عناء؛ تخشع في الصلاة حتى تبلل الدموع المحاجر، وترتجف الروح في جوف الدعاء هيبةً وافتقاراً، ويسكن القلب رحمةً ورقةً تجاه الخلق، فترى الوجود كله بعين الجمال والرحمة الإلهية. تلك هي لحظات “الفتح”، حيث يكون الإيمان في قمة توهجه، والروح في أبهى تجلياتها.
​ولكن، وكما يغمر الضياء وجه النهار، قد تأتي أصائلُ متعبة تخبو فيها تلك الشعلة، ويصيب القلب شيء من الفتور أو القسوة. يجد المرء نفسه يصارع صمتاً مطبقاً يلفّ وجدانه، ويشعر كأن ذلك البريق القديم قد انطفأ أو غيبه ركام الحياة وضجيج السعي خلف الأرزاق. في تلك اللحظات، قد يظن العبد أن إيمانه قد ولى، أو أن الوصل قد انقطع.
​بيدَ أن الحقيقة التي يجب أن تدركها الأرواح هي أن هذا الفتور ليس نهاية الطريق، ولا هو انكسار لعقد الإيمان، بل هو مقتضى البشرية والضعف الإنساني. إن الإيمان رحلة مستمرة، وجهاد لا ينقضي، وعودة متكررة إلى باب الكريم في كل مرة تضل فيها الخطى.
​ولكي يستقيم ميزان هذا القلب، لا بد له من جناحين يطير بهما في سماء اليقين: جناح الرجاء وجناح الخوف. فلا ييأس من روح الله مهما أظلمت في عينه المسالك، ولا يأمن مكر الله مهما علت في الطاعة مراتبُه. وفي هذا السياق، يبرز التوجيه النبوي العظيم الذي يبين كبائر المهلكات التي تقطع الطريق على السالكين.
​عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر، فقال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ» (أخرجه البزار وابن أبي حاتم).
​إن هذا الحديث يضع لنا خارطة الطريق الروحية؛ فالشرك انقطاع عن المصدر، واليأس هو موت الأمل في رحمة الواسع، والأمن من المكر هو الغرور الذي يقتل التواضع والانكسار.
​إن الحياة الروحية ليست نصراً نهائياً نحققه ونمضي، بل هي صراع يومي لاستعادة القلب من بين براثن الغفلة. إنها رحلة “الإياب والرجوع”؛ فكلما جفّت ينابيع الوجد، سقيناها بذكر الله، وكلما قسا القلب، ألنّاه بمجالسة الصالحين وتدبر الآيات. إن المؤمن الحق هو من يعرف كيف يعيد بوصلة قلبه نحو القبلة كلما مالت بها رياح الهوى، مدركاً أن ربه الذي يقبل التوبة هو ذاته الذي يقيل العثرة ويمسح دموع التائبين.
​اجعل قلبك كالطير، يرى القمة فيحلق نحوها، ويرى الهاوية فيحذر منها، وكن على يقين أن من سار إلى الله بصدق، كفاه الله هم الطريق وأضاء له شعلة الإيمان حتى يلقاه وهو راضٍ عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى