خواطر

بين شظايا الزمن

ازدهار عبد الحليم

بلّلَ المطر وجنتيه في صبيحة يوم العيد، مرتديًا بدلته السوداء، وقلبه ينبض حبًا لإخوته وأخواته. كان يركض، يسابق الزمن، يسبق الأهل بمعايداته، كأنه يشعر أن هذا العيد ليس كغيره، جاء مسرعًا لبيتي. كان يخشى شظايا الحرب التي نالت من كثيرين، تاركةً خلفها صواعق ومآسي لا تُنسى. لكنه لم يكن يدري أن شظايا الزمن أعمق من شظايا الحديد، وأنها ستصيبه في اليوم الخامس من أيام عيد الفطر.
بعد أن صام الشهر، وقام الليل، وتلألأت روحه بين ركعات التراويح.
كان يظن أن الفرح ينتظره طويلاً.
لكن الزمن حين يتشظى لا يترك لنا سوى الذكريات، ولا يمنحنا فرصة الوداع.

كنا نختبئ، ويحذروننا من الشظايا التي تتساقط من الصواريخ في السماء.
السماء التي لم تعد صافية، ولا مستقرة، حتى الشمس تغيّر حالها.
شروقها أصبح ضعيفًا، كأنها تخجل من سطوعها.

لا أدري لماذا يا شمسي؟ هل أنتِ تخجلين، أم أنك لم تعودي تقوين على استنشاق أنفاسنا المثقلة بغبار الزمن القاسي؟ ذلك الزمن الذي حرمنا من طقوس شهر رمضان الفضيل، الذي يزورنا مرة كل عام، وحُرمنا من صلاة التراويح جماعة، ومن فرحة العيد. الكل خائف، من صاروخ، أو شظيّة. لكننا لم نكن نعلم أن في الشظايا ما يشبه ملاك الموت، الذي يختطف الغالي.

يا…هكذا تنتهي حياة الإنسان، وهو يرتشف فنجان قهوة الصباح، ذلك الفنجان الذي كان ملاذهُ الوحيد في هذه الدنيا. تنتهي الحكاية بهدوء يشبه طقوسه اليومية، دون ضجيج أو وداع صاخب. كأن الحياة قررت أن تنسحب من بين أنفاسه برفق، تاركةً خلفها أثر ابتسامةٍ خفيفة وطيب أثر، وذكرى دافئة، تعبق برائحة القهوة.

“آخ يا زمن يا قاسي” كم هو صعب فراقك يا غالٍ، والفراغ الذي تركته ورائك. التفاصيل الصغيرة التي كانت عاديّة صارت اليوم ذكرى، الضحكة التي كانت تملأ المكان، والكلمات التي كانت تطمئن القلب دون أن ندرك قيمتها حينها.
ربما الزمن قاسٍ فعلاً، لكنه أيضاً هو الذي يجعل الذكريات تعيش فينا، ويذكرنا إننا أحببنا بصدق وعشنا لحظات كانت حقيقية جداً.

حتى الأطفال، أحفادك وأحفاد العائلة ما نسوك، حاضر على ألسنتهم، وكل سؤال منهم أين أنت؟

بعد رحيلك تغيّر كل شيء وكبرنا دفعة واحدة، أصبحتُ أنظر الى إخوتي فأراهم أكبر مما هم عليه، وقد غزا الشيب رؤوسهم. وارتسمت ملامح الحزن على وجوههم. كأنها حكاية لم تنتهِ، لم تعد الضحكات كما كانت بوجودك، فقد أخذتَ معك شيئاً من أرواحنا ومضيتَ******* رحلتَ******
لكنكَ تركتَ فينا ذكريات تُضيء عتمة الأيام، وتُعلمنا كيف نصبر، وكيف نحمل هذا الغياب بصمتٍ يليقُ بحبكَ الكبير*******************
“أسأل الله العزيز الجبّار أن يكون عيدك في جنّات النعيم”
قلم أختك ازدهار عبد الحليم
الكيلاني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى