مكتبة الأدب العربي و العالمي

كتب الدكتور سمير محمد أيوب صكُّ إعتراف ثَرثرةٌ في الحب – الثرثرة رقم 30

أحبَّتْ . إعْتَقَلَتْها عصبةٌ من صمتِ الوقار ، وكبرياءِ الحياء ، ووساوسِ الخَنَّاس . أصاغَت سمعَها لموجِ بحرٍ ، ألقى في حضنها مَحارةً مُتعبة . هامَسَتها مُراوِغَةً : في الحب ، عِلمُ اليقينِ عِلمي . أدركُ أنَّ المشاعرَ الحميمة ، كَكُلِّ آياتِ الكون ونواميسِه ، سؤالٌ مُحتشدٌ بعديدِ الإجابات . وأعلم أنَّكَ وسطَ رياضٍ منَ نِساء . ولكني ، أظن أنَّني الأكثر بينهن . وكما تَعلَم ، ليس كلُّ ظنٍّ إثما . وأنا أجوسُ في معارج دهشةِ الطفل في عينيك ، دعكَ من وقار السنين . قبل أن تُقدِّمَ أوراقَ اعتمادك ، قُلْ لي كيف ترى النساء على العموم ؟
تَمْتَمْتُ وأنا أفتعلُ جِديَّةً تليق بالموقف : بعضهن كالعطر المُقلَّدِ ، عَبَقٌ فوَّاحٌ ، لكنه مؤقت . وبعضهن كالوشمِ البلدي ، لا يتلاشى ولا يتبدد . ولا يُزال إلا بعملية قيصرية .
قالت مُتعجلةً : أُحسُّ أنَّ كَوْناً بات يجمعنا . إقترب أكثرَ . قُلْ وأرِحْني : لِمَ بالتحديدِ أنا ؟ لِذاتي أم لِصفاتي ؟ إبتَسَمَتْ كثيرا وهي تُكملُ حصارَها المُتخابِث : أيَّها ؟ وكلُّ ما وُهِبْتُ وما مَلَكتُ جميلٌ ، يستحق منك قولا بَيِّنا . يَجُبُّ ما قَبْلَهُ ، وبَعدَه لا يُقالُ شيءٌ .
حدَّقتُ في عينيها مُتَعجبا . فسارَعَت مُعاتبةً : لِمَ العَجَب ؟! وأنت تدري موقِعَكَ عندي ، أوليسَ مِنْ حقيَ أنْ أعلمَ عِندكَ مَوقِعي . وأكْمَلَتْ مُحذِّرَةً : قُلْ وبِلا تتأتأة ، ولا تُحاول تشتيتَ وميضَ عينيك .
‏قلتُ مُسْتَسلِما : أجملُ الأشياء يا سيدتي ، لا تأتيَ إلاَّ صُدفةً . ولا تأتيَ من فراغٍ أو من عَدَم . الصدفُ وحدها يا دهقونة ، لم تعد تكفي لإخراج جُنونٍ مُشاغِبٍ من قمقمه . سأجيبك وأنا أدرك ، أنْ لا حُدوداً تَفصلُ الذاتَ عن الصفات . ووفق ما أعلمُ من فِقْهِ المشاعر : أنتِ سيدةٌ مُشبعةٌ بالكثيرِ مِمَّا تَمنيت . تعرفينَ الكثير من أبواب الأجمل في الحياة . وتُحسنين إستعمال المفاتيح .
كُنتُ حينَ أقْبَلتِ ، أتراجعُ بالتقسيط . أمْضغ دونَ إفراطٍ ، سقوطاً رماديا لا يتلوه إنكسار . أتَلَمَّسُ بالتفكُّرِ والتدبُّرِ ، طُرُقاً إلى ذاتي . كلُّ مَلَكاتي في الإدراك آنذاك ، كانت تشي وقد أنضجَها حُزنٌ شقيٌّ ، بأني لم أعُدْ صالحا للحب . كنتُ بالفطنة والنباهة والحدَس ، أبحثُ عنِ إمراةٍ أعيشها .
ولحُسنِ حظي حصل ما كان في الحسبان ، لَمْ تأتِ دفعةً واحدة . بِنَهَمٍ إمْتَصَصْتُ حُضورَك . حتى تقلص قلقي . تمرد ترددي . وتمدد قلبي إلى مبلغِ ظنوني ، وجاوزَها . وهناك ، فوجِئتُ بقدرةِ عينيك على البوح . وقُدرتي على الإحتمال . وقلة حيلتي على التصرف . إسْتَسلَمَتْ مَشاعري . إنهمر القلبُ ، وخرجَ لساني عن شيء من صمته .
وأضفتُ بنبرةٍ لا تخلو من تبريرٍ ساذَجٍ : لا تَعْجَبي يا سيدتي ، فالحب إنْ سَكَن ، يَعْبُرُ الأسبابَ وأزمانَها ومحاذيرَها . إنَّه في العادة كياسمين الأرض ، بلا حدود . تماما كقَطْرِ الندى في السماء .
أضفتُ مُتابعا : لمْ أعُدْ يافعا تسوقُه ظواهرُ التضاريس . بلْ ناضجا وأكثر . تشدُّه حِوارِيَّات القلب . تقودُه حَوارِي العقل . وتؤطرُ مقارباته ، منظوماتُ قِيَمٍ تضبط ما يرشح من مشاعر . كانت هناك سبل كثيرة توصلني اليك . لأثريَ إحتياجاتي ، إنتقيتُ العسيرَ مِنْ غيطانك ، لا التائهَ مِنْ ما يُميزك .
قالت متأففةً : أيُّها المُتَهرب ، لِمَ الآن إذن ؟
قلت ممازحا : العمرُ غفلةٌ يا إمرأة . لا يتَّسعُ كثيرا لِغدٍ مُتكاسِلٍ . ولا مجالَ فيه لتكاذبِ العدَّادات . وعلى رأيِ إبن الخيَّام : إغْنَمْ منَ الحاضرِ لذَّاتِه ، فليس من طبع الليالي الأمان . فمعَ كلِّ ومضةِ عينٍ ، وإرتجافة شفة ، يغفو شيءٌ في الجسد .
لأطْمَئنَّ على وقعِ بَوْحي ، يَمَّمْتُ عَيْنَيَّ مُدقِّقا في عينيها التي لا تُطيقُ الزحام . تحاصر في أعماقهما طفلا خصبَ النظرات . أظن والعلم عند الله ، أنَّ الكثيرَ من تلك النظرات ، لم يكن ميراثا ولا تركة . ولم تكن بحاجة إلى قول على قول .
شَعرْتُ حينَها ، كمَنْ ظُهرَ يومٍ قائظ ، لامست شَفتاهُ اوَّلَ رشفةِ ماء . فقلتُ مأخوذا : كأوَّلِ الحب أنتِ .
فلامَسَت أطرافُ أصابعها أصابعي ، وعيناها توقِّعُ صكَّ الإعتراف ، إمتزجت قهوتي بنكهتها .
الاردن – 3/5/2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − سبعة =

إغلاق