لقاء السبت على همسة نت الدولية… حين يلتقي الحرف بالذاكرة، والتراث بالهوية مع فاطمة أبو واصل اغبارية
الأستاذة فاطمة عيساوي

لقاء السبت على همسة نت الدولية… حين يلتقي الحرف بالذاكرة، والتراث بالهوية مع فاطمة أبو واصل اغبارية 
في مساءٍ من مساءات “همسة نت الدولية”، لم يكن اللقاء مجرد حوار إعلامي عابر، بل كان رحلةً عبر الزمن، أبحرت فيها الدكتورة فاطمة أبو واصل آغبارية بمهارة الربان، لتقود جمهورها إلى مرافئ التراث الفلسطيني الأصيل، حيث استضافت الكاتبة والأديبة ازدهار عبد الحليم كيلاني في لقاء ثري زاوج بين دفء الذكريات وعمق الفكر، وبين جمال السرد وصدق التجربة.
افتتحت الدكتورة فاطمة اللقاء بأسلوبها الرصين الذي يجمع بين دفء الكلمة ورقي الحوار، فنسجت من الأسئلة جسورًا عبرت عليها الضيفة إلى عوالمها الإبداعية، فكشفت أن الكتابة عندها ليست حبرًا على ورق، بل ذاكرة تمشي على قدمين، ووطن يسكن في الكلمات، وتراث ينبض بين السطور. فكل كتاب خطته أناملها كان لبنةً في صرح الهوية الفلسطينية، وسدًا منيعًا في وجه النسيان والطمس.
وروت الكاتبة ازدهار رحلتها مع التعلم، وهي رحلة لم تكن مفروشة بالورود، بل ازدانت بأشواك التحديات؛ فقد تعرضت للتنمر والاستخفاف، غير أن تلك الرياح لم تزدها إلا رسوخًا، شأن الشجرة الطيبة التي كلما اشتدت العواصف، ازداد جذرها عمقًا. وكانت محاربة الأمية محطة مضيئة في حياتها، آمنت خلالها بأن العلم نور، والجهل ظلام، والكتاب خير جليس، والقلم خير أنيس، فوجدت في أسرتها السند والعضد، حتى تحولت البدايات المتعثرة إلى مسيرة أدبية حافلة بالعطاء.
ومن بين ثنايا الحوار، تألقت مؤلفاتها التي كرستها لخدمة التراث، وعلى رأسها كتاب “أحاديث من التراث”، إلى جانب أعمالها الموجهة لأدب الطفل، حيث حرصت على أن يتعرف الناشئة إلى فلسطين من خلال حكايات الجدات، وأغاني الحقول، وأهازيج الأعراس، وقيم الأرض والإنسان، إيمانًا منها بأن الطفل الذي يعرف تراثه، يعرف نفسه، ومن عرف نفسه، عرف وطنه.
وأجمع الحوار على أن التراث ليس ماضيًا يُروى، بل حاضرًا يُعاش، ومستقبلًا يُبنى، فهو الكرامة، وهو حب الأرض، وهو الجذر الذي تتفرع منه أغصان الهوية والثقافة والانتماء. وما أجمل قولها حين أكدت أن الأرض ليست مجرد تراب، بل ذاكرة وهوية ووفاء، في صورة بليغة جعلت الأرض أمًا حنونًا تحتضن أبناءها، والوطن قلبًا نابضًا لا يشيخ.
كما أعلنت أنها تعمل على إصدار كتاب جديد للأطفال، تغرس فيه بذور التراث في نفوس الأجيال، لأن الطفل إذا تربى على الحكاية الأصيلة، كبر وفي قلبه وطن، وفي وجدانه تاريخ، وفي روحه انتماء.
ولم تخلُ الجلسة من رسائل ملهمة، فقد وجهت الكاتبة نصيحة لكل من يحمل حلمًا بالقلم، فقالت: “لكل نهاية بداية، فاكتبوا، واقرؤوا، ولا تخافوا من النقد، فالنقد لا يهدم المبدعين، بل يصقلهم.” كما خصت المرأة برسالة مؤثرة، دعتها فيها إلى القراءة، لأن القراءة باب التغيير، ومفتاح الوعي، وجسر العبور نحو المستقبل.
وفي تلخيص بديع لمسيرتها، وصفت رحلتها بأنها تشويق ومغامرة، لكنها مغامرة مسؤولة، إذ أكدت أن الكاتب مؤتمن على كلمته، وأن وراء كل حرف قارئًا يبني فكره ووعيه، لذلك ينبغي أن تُكتب الكلمة بميزان الحكمة، ودقة الباحث، وضمير المربي.
ومن أجمل ما صدحت به، أن القرآن الكريم هو أصل الكتب ومنبع البيان، وأن أجمل ذكرياتها ارتبطت بمدينة القدس، بما تحمله من قداسة وروحانية وعبق تاريخي. كما أعربت عن أمنيتها في أن تعود أعراس الأمس بأهازيجها الشعبية، وأغانيها التراثية، لتملأ البيوت فرحًا، والقلوب حنينًا.
وأشارت إلى أن سر نجاح الكاتب يكمن في بساطة الأسلوب، وخفة القلم، وسهولة التعبير الممتنع؛ فالكلمات التي تخرج من القلب تصل إلى القلب، واللغة التي تلامس الوجدان لا تحتاج إلى زخارف متكلفة.
وفي ختام اللقاء، ارتفعت الرسالة إلى مستوى النداء الوطني، حين أكدت أن التراث هو هوية تحمينا من الطمس، والانتماء الذي يصون الذاكرة، والجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ودعت الجميع إلى أن يحيوا التراث في بيوتهم ومدارسهم ومجتمعاتهم، وأن يتنفسوه كما يتنفسون الهواء، ويعيشوه بكل جوارحهم، لأنه جزء من عقيدتهم ووجدانهم ووجودهم.
لقد كان هذا اللقاء لوحةً أدبيةً زاهية الألوان، امتزجت فيها الفكرة بالعاطفة، والذاكرة بالهوية، والكلمة بالموقف، فخرج المشاهد وهو أكثر يقينًا بأن التراث ليس صفحات في كتاب، بل روح أمة، وأن الهوية لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُصان أيضًا بالقلم والكلمة والوعي.
كل الشكر والتقدير للدكتورة فاطمة أبو واصل آغبارية على إدارتها الراقية للحوار، التي اتسمت بالعمق والاتزان، وللأديبة ازدهار عبد الحليم كيلاني على شهادتها الإنسانية والأدبية الملهمة، التي أكدت أن الكلمة الصادقة تبقى، وأن التراث إذا سكن القلوب، عصيٌّ على الزوال.



