الرئيسيةفلسطين تراث وحضاره

من روما إلى غزة.. “فلسطين هي التي حررتني”

شهادات عن الاعتقال والتعذيب وانتقادات للإعلام الغربي خلال ندوة استضافها البرلمان الإيطالي لتقديم كتاب “أسطول الصمود العالمي”.

روما –إكرامي هاشم

لم تكن قاعة الصحافة في مجلس النواب الإيطالي، مساء الثاني من يوليو مسرحًا لتقديم كتاب جديد فحسب، بل تحولت إلى منصة سياسية وإنسانية شهدت شهادات حية عن رحلات “أسطول الصمود العالمي” (Global Sumud Flotilla)، وانتقادات حادة للحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي، ودعوات صريحة لفرض عقوبات على إسرائيل ووقف جميع أشكال التعاون معها، إلى جانب مراجعة الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الغربية في تغطية الحرب على غزة.

الندوة، التي استضافها البرلمان الإيطالي بمناسبة إطلاق كتاب “Global Sumud Flotilla.. La storia siete voi” (أنتم الحكاية) للناشطة الإيطالية والمتحدثة باسم الأسطول ماريا إلينا ديليا، شارك فيها النائبة الإيطالية ستيفانيا أسكاري، والناشط الفلسطيني والمتحدث باسم الأسطول سيف أبو كشك، والصحفي الإيطالي فرانشيسكو كانشيلاتو، ممثل نقابة الصحفيين الإيطاليين فابريتسيو كاسينيللي، إلى جانب مداخلات لكل من المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه والصحفية الفلسطينية شروق أسعد.

“القصة لم تبدأ في أكتوبر”

استهلت ماريا إلينا ديليا حديثها بالتأكيد على أن ما يجري في فلسطين لا يمكن اختزاله في أحداث السابع من أكتوبر أو الحرب الأخيرة على غزة، معتبرة أن جذور القضية تمتد إلى عقود طويلة.

وقالت إن الحصار البحري المفروض على غزة لم يبدأ في أكتوبر 2023، بل هو قائم منذ عام 2007، بينما يعود الاحتلال – بحسب تعبيرها – إلى عام 1948، رغم أن المجتمع الدولي يتحدث رسميًا عن عام 1967.

وأكدت أن مهمة أسطول الصمود لم تكن تهدف فقط إلى إيصال مساعدات إنسانية، بل إلى كسر الحصار وكشف ما وصفته بـ”التناقض الأخلاقي والقانوني” في تعامل المجتمع الدولي مع الانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين.

وأضافت أن الرسالة الأساسية التي حملها الأسطول كانت أن “عندما تُنتهك حقوق الفلسطينيين، تأكدوا أن حقوقكم ستُنتهك أيضًا”، معتبرة أن التغاضي عن انتهاك القانون الدولي في فلسطين يفتح الباب أمام انتهاكه في أماكن أخرى.

ورأت أن الأسطول نجح سياسيًا، رغم عدم وصول سفنه إلى غزة، لأنه ساهم في نقل القضية إلى الرأي العام، مستشهدة بالمظاهرات الحاشدة التي شهدتها روما تضامنًا مع الفلسطينيين.

شهادات عن الاعتقال والتعذيب

من جانبه، قدم الناشط الفلسطيني والمتحدث باسم الأسطول سيف أبو كشك شهادة مطولة عن ظروف احتجازه بعد اعتراض القوات الإسرائيلية إحدى سفن الأسطول في البحر المتوسط.

وقال إن المشاركين تعرضوا للضرب، والاستجواب لساعات طويلة، والحرمان من النوم، والإضاءة المستمرة داخل زنازين العزل، إلى جانب التهديد بالقتل والسجن المؤبد واستهداف أفراد عائلاتهم، مؤكدًا أن ما تعرضوا له “لا يقارن بما يعانيه الأسرى الفلسطينيون يوميًا”.

وأشار إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر مُنعت، بحسب قوله، من زيارة الأسرى الفلسطينيين منذ سنوات، في وقت تستمر فيه الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية دون مساءلة.

وأكد أبو كشك أن اعتراض سفن الأسطول على بعد مئات الأميال البحرية من غزة، بل بالقرب من جزيرة كريت اليونانية، يثير تساؤلات حول الحدود الفعلية للحصار الإسرائيلي، معتبرًا أن ما جرى يشكل انتهاكًا للقانون الدولي ولسيادة الدول التي ترفع السفن أعلامها.

كما انتقد ما وصفه بازدواجية المعايير الدولية، قائلًا إن العالم لم يُبدِ غضبًا مماثلًا عندما كان الضحايا فلسطينيين، بينما أثارت مقاطع مصورة أظهرت معاملة ناشطين أوروبيين ردود فعل واسعة.

واعتبر أن ما يقوم به وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ليس تصرفًا فرديًا، بل يعكس – بحسب رأيه – سياسة ممنهجة، مستشهدًا بسوابق تاريخية تعود إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى وسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

أسكاري: السياسة يجب أن تفتح أبوابها للإنسان

أما النائبة الإيطالية ستيفانيا أسكاري، فدعت إلى اتخاذ خطوات عملية تتجاوز بيانات الإدانة، مطالبة بوقف العلاقات الاقتصادية والعسكرية والتجارية والأكاديمية مع إسرائيل وفرض عقوبات عليها.

وانتقدت ما وصفته بـ”صمت” الحكومة الإيطالية تجاه الحرب على غزة، معتبرة أن استمرار التعاون العسكري والسياسي مع إسرائيل يتعارض مع المبادئ التي ينص عليها الدستور الإيطالي.

وتطرقت إلى زيارتها لميناء جيويا تاورو جنوب إيطاليا، قائلة إنها حاولت التحقق من شحنات يُشتبه في احتوائها على معدات عسكرية متجهة إلى إسرائيل، لكنها لم تحصل على إجابات من السلطات المختصة.

كما انتقدت استمرار تصدير السلاح إلى إسرائيل، معتبرة أن الأسلحة التي تُرسل إليها هي نفسها التي تؤدي إلى سقوط الضحايا المدنيين في غزة.

وفي المقابل، أشادت أسكاري بمبادرة Global Sumud Flotilla، ووصفتها بأنها نموذج للإنسانية والعمل المدني، مؤكدة أن المشاركين فيها اختاروا عدم الاكتفاء بمشاهدة معاناة الفلسطينيين، بل خاضوا التجربة بأنفسهم عندما عجزت الحكومات عن التحرك.

واختتمت كلمتها بعبارة لاقت تفاعلًا واسعًا داخل القاعة، قائلة:

“كنت أظن أنني سأعمل على تحرير فلسطين، لكنني اكتشفت في النهاية أن فلسطين هي التي حررتني.”

وأضافت أن القضية الفلسطينية لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل – في نظرها – كل من يقف في وجه الظلم والعنف والاستبداد، داعية إلى استمرار التضامن الشعبي، والمشاركة في حملات المقاطعة، وعدم الاكتفاء بدور المتفرج.

الإعلام تحت المجهر

بدوره، ركز ممثل نقابة الصحفيين الإيطاليين فابريتسيو كاسينيللي على أداء وسائل الإعلام خلال الحرب على غزة، معتبرًا أن الصحافة الإيطالية بدأت تغطيتها للأحداث بشكل متأخر، قبل أن تتحسن تدريجيًا مع اتساع الاهتمام الشعبي بالقضية.

وأشار إلى أن أكثر من 300 صحفي فلسطيني قُتلوا خلال الحرب، معتبرًا أن استهداف الصحفيين لم يعد مجرد “أضرار جانبية”، بل أصبح نمطًا متكررًا يستدعي المساءلة.

وكشف أن جزءًا من عائدات كتاب “أسطول الصمود العالمي” سيُخصص لدعم Palestine Journalism Hub، في إطار دعم الصحفيين الفلسطينيين.

وانتقد كاسينيللي الطريقة التي تعاملت بها وسائل الإعلام مع الحرب، مشيرًا إلى أنها اعتمدت لفترات طويلة على الرواية الرسمية الإسرائيلية، وتأخرت في استخدام توصيفات مثل “الإبادة الجماعية”، كما تجاهلت أو شككت في أرقام الضحايا قبل أن تؤكدها تقارير الأمم المتحدة لاحقًا.

وأكد أن التجربة التي وثقها الكتاب لا تتعلق فقط برحلات الأسطول، بل تمثل أيضًا فرصة لإعادة التفكير في مستقبل الإعلام، واستقلاليته، ودوره في نقل الحقيقة.

“أنتم الحكاية”

ورغم اختلاف زوايا تناول المتحدثين، فقد التقت كلماتهم عند فكرة واحدة: أن أسطول الصمود لم يكن مجرد رحلة بحرية، بل محاولة لتحويل التضامن مع الفلسطينيين إلى فعل مباشر، ورسالة مفادها أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يتوقف عند حدود الجغرافيا.

وبينما انتهت الندوة بإعادة التأكيد على شعار الناشط الإيطالي الراحل فيتوريو أريغوني: “لنظل إنسانيين”، بدا أن الرسالة التي أراد منظموها إيصالها تلخصها عبارة ماريا إلينا ديليا التي تصدرت النقاش منذ بدايته:

“عندما تُنتهك حقوق الفلسطينيين، تأكدوا أن حقوقكم ستُنتهك أيضًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى