اقلام حرة

قراءة سيميائية لقصيدة “ذكر الحبيب” للشاعرة الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية: من نور المحبة إلى مشروع الإصلاح

الأستاذة عيساوي فاطمة

تُعد قصيدة «ذكر الحبيب» للشاعرة الفلسطينية الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية نصًا شعريًا ذا بنية دلالية ثرية، تتشابك فيها التجربة الوجدانية مع الرؤية الدينية والهمّ الإنساني والوعي بقضايا الأمة. وقد عُرفت الشاعرة فاطمة أبو واصل إغبارية بوصفها شاعرة فلسطينية، وتظهر قصيدة «ذكر الحبيب» ضمن أعمالها المنشورة.


ولا تقف القصيدة عند حدود المديح النبوي واستحضار فضائل الرسول محمد ﷺ، وإنما تتخذ من ذكر الحبيب منطلقًا لقراءة الواقع الإنساني والأخلاقي، فتنتقل من فضاء المحبة والنور والرحمة إلى فضاء الألم والتيه والظلم، ثم تعود في خاتمتها إلى النور من خلال الدعوة إلى الاقتداء بالرسول ﷺ واستعادة سنته وقيمه.
وتنبني التجربة الشعرية عند الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية على ثنائية مركزية هي النور والعتمة؛ فالنور في مطلع القصيدة علامة على الهداية والبصيرة والإيمان:
«نورٌ أضاء بصيرتي وحياتي
سكن الحشا والقلب والجنبات»
بينما تأتي العتمة لاحقًا بوصفها علامة على الضلال والانحراف:
«كل المكارم سيدي قد غُيِّبت
لما تركنا النور للعتمات»
وبذلك يتحول «النور» إلى رمز مركزي للرسالة المحمدية، في حين تصبح «العتمات» رمزًا للابتعاد عن القيم والمبادئ.


وتتخذ الشاعرة من شخصية النبي ﷺ علامةً سيميائية جامعة تتقاطع عندها معاني الرحمة والهداية والأخلاق والجمال. ففي قولها:
«لمّا تذكرت الحبيب المصطفى
قمر الوجود وطيب البسمات»
يتحول النبي ﷺ إلى «قمر» يضيء فضاء الوجود، في امتداد دلالي لصورة «النور» التي افتتحت بها القصيدة. ومن ثم فإن القمر والنور ليسا صورتين منفصلتين، وإنما علامتان متكاملتان في منظومة واحدة، هي منظومة الهداية.
ومن هنا يمكن القول إن خصوصية القصيدة تكمن في أن الشاعرة لا تجعل محبة الرسول ﷺ غاية شعرية نهائية، بل تجعلها بداية لمشروع أخلاقي وإصلاحي. فبعد استحضار الحبيب تنتقل إلى واقع الأمة:
«ماذا أقول اليوم حرفي عاجزٌ
عن حال شعبٍ تاه في الزلات»
فتتحول الذات الشاعرة من حالة التأمل الوجداني إلى حالة الوعي الجماعي، ويصبح «الحبيب» مرجعيةً يمكن من خلالها نقد الواقع وتقويمه.
وتتجلى قوة النص في هذا الانتقال من الخاص إلى العام؛ فمن «بصيرتي وحياتي» إلى «شعب»، ثم إلى «أمة»، ثم إلى النداء المباشر:
«يا أمتي عودي إليه وطبقي
سنن الرسول لتعتلي راياتي»
وهكذا تتحول القصيدة من تجربة شخصية في المحبة إلى خطاب جماعي موجّه إلى الأمة.
وتأتي الخاتمة لتكشف بوضوح عن جوهر المشروع الدلالي للقصيدة:
«عودي لنهج محمد نبع الهدى
فهو الطريق لشامخ الغايات»
فالعودة هنا ليست عودة مكانية، وإنما هي عودة رمزية إلى القيم والأخلاق والهداية. أما «الطريق» فيمثل المنهج النبوي، ويأتي في مقابل «التيه» الذي تكرر في النص. ومن ثم تتشكل ثنائية أخرى:
الطريق ↔ التيه
ويصبح الرسول ﷺ في البناء السيميائي للقصيدة دليل الطريق بعد التيه، والنور بعد العتمة، والرحمة في مواجهة القسوة، والأخلاق في مواجهة الانحراف.
وبهذه القراءة، تظهر قصيدة «ذكر الحبيب» للشاعرة الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية نصًا يجمع بين جمال المديح النبوي وقلق المثقف تجاه واقعه، وبين حرارة الوجدان ووعي الرسالة. فالشاعرة لا تستدعي الماضي هروبًا من الحاضر، وإنما تستحضر النموذج النبوي بوصفه طاقةً أخلاقية قادرة على إضاءة الحاضر واستعادة البوصلة.
ولعل أبرز ما يميز البناء السيميائي للقصيدة أن مسارها يبدأ بـ**«النور»** وينتهي بـ**«العودة إلى نهج محمد»**؛ أي أن القصيدة تتحرك من الذكر إلى الوعي، ومن المحبة إلى الاقتداء، ومن الاقتداء إلى الإصلاح. وهنا تتجلى القيمة الفكرية والجمالية للنص؛ إذ يصبح «ذكر الحبيب» أكثر من عنوان، ليغدو مفتاحًا لرسالة شعرية ترى في المحبة فعلًا، وفي الذكر التزامًا، وفي السيرة النبوية طريقًا لاستعادة الإنسان والأمة لنورها الأخلاقي والروحي.

المشرف العام:
المهندس عبد الحفيظ إغبارية
كاتبة المقال فاطمة عيساوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى