نشاطات

قراءة في المجموعة القصصية (هلوسات وأشياء أخرى) للدكتور صلاح الدين أبو الرب إعداد الأديبة هيام ضمرة

image

إنّ المحلِّق في فضاء منجز د.صلاح الدين أبو الرب الأخير (هلوسات وأشياء أخرى)، عليه أن يكون باللياقة الكافية لأن يبقى معلقاً بين مجموعة كبيرة من العناوين في أغلبها أطلق عليه إسم هلوسات وبلغت في تعدادها المائة وعشرة عناوين، أتبعها بعشرين نصاً منفصلاً أطلق عليها إسم أشياء أخرى.- هكذا أراد لها الكاتب أن تبقى معلقة بفضاء ذهن المتلقي، بلا هوية ولا تجنيس أدبي، شيء مما تفاعلت معه نفسه ذات منسكب، فكان تعبيراُ حراً عما جال في داخله، أو دار في أوار فكرة تعلقت بباله، أو أنه أرادها هكذا من قبيل إشراك المتلقي في سبر غور هويتها وتصنيفها وإن اختلف معه في ذلك… لكنه كما هو واضح استخدم فيها احساسات مختلفة في بعضها تصنف بالومضة، وفي أخرى بالقصة، وفي ثالثة بالبوح الشعري اللطيف الخفيف، وفي رابعة حوارٌ مع الذات ينتهي بالمفارقة المدهشة… إنها أشياء أخرى تحسستها ذاته في لحظات تحليق مع الذات، فلماذا يمنحها الجنسية والكاتب في كثير من الأحيان تقوده إحساساته وغمرة مشاعره مع رؤية تسيطر عليه سيطرة مستحوذة تجعله متحرراً من عبودية قوانين الفنون الابداعية، فيسكب تلك الأحاسيس تماماً كما تشكلت عليه، فالكاتب في معاقرته للكتابة لا يعانق يراعه فحسب، إنما يمارس معه الرقص على حدود الكلمات التعبيرية حسب الصورة التي تتشكل في ذهنه في لحظة انتشاء بديع، هو تجاوب تلقائي ذاتي متفلت
وحسب رؤيتي الشخصية فالكاتب منح مجموعته عنواناً تجريدياً قابل لأكثر من تأويل ليضخ من خلاله تلك التشكيلة الجامعة والمتناغمة في آن واحد رغم أنها تمر على عدد من الأطياف الأدبية، بكل ما يعتريها من اشكاليات وتداعيات إنسانية محركة للوجدان تعاطفاً أم إدانة، فالعنوان هو عتبة للولوج إلى التفاصيل العامة للمجموعة القصصية لاستكناة مراميها وتقنياتها، مبدياً لها وجهاً ساخراً من قبيل بيان حالة المعارضة الناعمة، متخذاً اللغة الساخرة أحياناً ليواري مرارة الواقع وليخفي ضغائن معارضته، ولكنه بذات الوقت استطاع من خلال نصوصه التنقل بنا من حالة إلى حالة ومن عنوان إلى عنوان بزوايا رؤية مختلفة، ملتقطاً بؤرة النص ومحدداً محيط دائرته بكثافة وبأقل الكلمات، إضافة لرصد التحولات الاجتماعية من خلال التعمق مع الصراعات الداخلية، بلغة انسيابية سلسة
الكاتب في طبيعته يتحسس الفضاء المحيط به حين يطلق ليراعه الانسكاب، ومنه يمتطي صهوة امكانياته في الكتابة الأدبية، فيرصد مخيلته وفنون تعبيراته من خلال عالم يهجس بكل المتناقضات، ولأن طبيعته متوقدة الذكاء فإنها تمنحه رؤية متكاملة، وذاكرة مشبعة بالصور، ومغرقة بأصداء الماضي، إضافة لملكيته مخيلة محلقة في أفق الوعي، فإنه يملك خاصية التنقل بين المشاهد في إطار تداعيات ذهنية تستوعب أبجديات الحدث، فيما يلتف في دائرته التفاف حلزوني حول المحور بحيث تأتي النهاية موجبة للدهشة .. ومن هنا نجد الكاتب يوظف تداعيات الحدث وايحاءات الصورة لتبدو كما الهذيان أو كما الهلوسة في التحول السريع
فقد استطاع الكاتب من خلال مجموعته، توظيف المفارقة وشيء من غرائبية الحدث، والرصد الواعي، مستخدما أسلوب التنامي السريع للحدث حتى لحظة التنوير بالاسقاط الساخر، بشكل منولوجي محركاً للوجدان، مما جعل قصته تبدو ذات نكهة محببة، ومثل هذا الاجتهاد عمل على صنعة النص كإشارة واضحة لبيان نضج التجربة.. والمسترسل في قراءة النصوص التي اختلطت بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً يلحظ استخدام الكاتب لغة بسيطة قريبة إلى فهم السواد الأعظم من المتلقين، لا تداخلها لغة التعمق والتقعر والاستعراض للمخزون اللغوي، فاهتمامه بالكثافة ووضوح الفكرة ولحظة التنوير التي تحكم النهاية كان أقوى من أي هدف آخر
أفق الخيال عند د.صلاح الدين.. والخيال في جوهره سجل لقدرة الكاتب الابداعية، وهو أساس في النشاط العقلي الانساني يميزه عن سواه من الخلائق الأخرى، ويؤدي دوراً حاسماً في معظم جوانب الحياة، فلولا الخيال ما وصل الانسان إلى هذه الدرجة من التقدم الحضاري والابداع الانساني… وفي الابداع يأتي الاهتمام بثلاث أبعاد أساسية للانتاج الابداعي، البعد العقلي الانتاجي- البعد الانفعالي الشعوري- البعد المتخيل اللاشعوري.. وعلى هذا يصنف عالم النفس الفرنسي (ريبو) الخيال على أنه يتشكل في ضوء القدرة على تكوين الأشكال والأفكار المتناظرة من خلال التشخيص والانفعالات.. والمخيلة منبع لا ينضب للتجديد، وهي لذلك أساس كل عمل ابداعي، تولد تقنية الكاتب نفسه محددة خصوصيته واستقلاليته.. فبالخيال استطاع القاص نحت مفارقة لحظة الدهشة كنهاية تعتمد سعة الخيال وجودة التقمص الوجداني الانفعالي، فكان يحكمها بكثير ذكاء
في قصة خمول يقول:
” يداعب نعاسه بخمول شديد، لم يقاوم التثاءب، فتح فاه على الآخر.. تسللت ذبابة وقحة بسرعة، لم يستطع ردها، نظر حوله، لم ينتبه أحد.. بلع ريقه وشرب الماء وراءها ” ليبدو متداركا غرائبية الحدث بالتداري السريع عن الأنظار وكأن لم يحدث شيء
بدت مجموعته هذه أكثر نضجا وأكثر عفية وتجديدا وكأنه يقبل على مغامرة جديدة إنما محسومة النتائج مسبقاً قاصداً حالة التوهج من خلال لغته التي خبرها دون عقبات مكيفاً ومطوعاً إياها بما يوافق احساساته، ولقد باتت اللغة كلسانية معبرة بحد ذاتها عن خصوصية الأديب مستخدماً توصيفاته وانزياحاته الخاصة، ومن خاصية اللغة أنها دوماً متوالدة، فخيال المبدع يحملها على التعبير بطريقته بحيث تفضي إلى دلالاتها بتركيبات جميلة
ففي قصة كلب القصيرة جدا يقول بسلاسته المعهودة
“قال برغوث يعيش على كلب الأغنياء لصديقته، هيا نبحث عن كلب محترم غير هذا، نجد الطعام عنده”
لم يمنح المتلقي تقريرا عن السبب إنما ترك له استكناه من السياق، وإن ذلك لهو الابداع الحق
بعض قليل من القصص لم تكن بقوة الأخريات لكنها الطبيعة البشرية التي تنوع ذاتها بتلقاء ذاتها، لكن حسب الكاتب قدرته على الصياغة المحكمة بتوهج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق