رسالة للزمن بين الحزن والذكرى.. الزمن كفيل بالحياة… لا بالنسيان
بقلم ازدهار عبد الحليم الكيلاني

عجبي عليك يا زمن
كنتُ في صغري ألهو وألعب، أعيش طفولتي بخفّة لا تعرف ثقل الأيام
ولا وجع الذكريات.
كانت الضحكة تأتيني بسهولة، وكانت أحزاني إن وُجدت تمر سريعًا كغيمة صيفٍ عابرة.
كنت أسمع الكبار يرددون:” الزمن كفيل بالنسيان”
لكنهم لم يقولونها في لحظات الفرح. بل في الأيام الحزينة، عندما تعمّ الجنازة والحزن في الحارة، ويخيّم الصمت على الوجوه.
كنتُ أخاف من كلمة جنازة. ليس خوفًا منها، بل خوفًا على قلب أمي من شدّة حزنها. كنتُ أُراقبها بصمتٍ، أتساءل: لماذا كل هذا الألم؟
وعندما تعود من الجنازة الى البيت، يعمّ الهدوء والسكون.
تدخل أمي غرفتها والى خلوتها، وأسترق النظر اليها، أراها بين أكوام الغسيل والثياب النظيفة ترتبها بيدٍ، وبالأخرى تُمسك الإبرة والخيط، بينما تنهمر دموعها بصمتٍ موجع.
كنتُ أقف عاجزة أخفي أسئلتي في قلبي، وأتعلم دون أن أشعر.. معنى الحزن، ثم تأتي الجارة، فأصمت أكثر وأنصت لحديثٍ عن الراحلين، عن عبء الحياة بعدهم
عن أطفال كبروا على الفقد. وتتردد الجملة “الزمن كفيل بالنسيان”
مرّت السنين. وكبرتُ أنا وكبُر معي ذلك السؤال.
رأيتُ أمي تضعف، وتنهكها الأيام، حتى جاء يوم لم أكن مستعدة له…
رحلت أمي. وانتقلت الى جوار ربها، وتركت في قلبي فراغًا لا يُملأ.
بكيتُ كما لم أبكِ من قبل، وغمرني حزنٌ ثقيل، وعرفتُ كيف كانت تبكي ولماذا؟
وجاء دوري أنا. لأختلي بنفسي وأحمل وجعي بصمتٍ كما كانت تفعل، وفي تلك اللحظة فقط أدركتُ معنى تلك الجملة” الزمن كفيل بالنسيان
لكن الزمن لا يُنسّي كما كنا نظن، هو فقط يُهدّئ الألم، ويُعلّمنا كيف نُخفيه بين تفاصيل أيامنا.
ومع مرور السنوات لم يتوقف الحزن عند رحيل أمي
جاء فقدان والدي رحمه الله وأثنين من الأخوة، وكأن المسبحة التي كانت في يد أمي فرطت حبّاتها،وها أنا أعيش هذا الوجع وهذا الحزن.
والجنازات لا تتوقف تمر يوميًّا، ولا تتوقف الأبواب كما كانت، ولا تخرج الوجوه كما كنت أراها في صغري داخل البيوت، تمضي الحياة على وتيرتها.
كأن الحزن صار شيئًا خفيفًا أو مؤجلاً.
أنظر. وأتساءل في صمت:
هل تغيّر الزمن؟ أم نحن تغيّرنا؟
كلما مرّت جنازة الآن أبحث بين الوجوه عن وجه أمي، عن ذلك الحزن الصادق الذي كان يملأ المكان،فلا أجد إلا سكونًاً غريبًا لا يشبهُها.
“فعجبي عليك يا زمن” لا تُنسّي، لكن تُعلّمني كيف أعيش بما لا يُنسى.
وكيف أحتفظ بذكراهم حيّة، وكيف أخفي دمعي كما كنت أراقب أمي في خلوتها
الله يصبرنا على فراق الأحبة. وفي الآونة الأخيرة فقدنا أخي وتجددت الأحزان
” اللهم اجعلها خاتمة الأحزان”
كان “رجلً طيّب القلب، والصديق الأمين“. لم يكن مجرد فرد من العائلة، بل كان قدوة في الحب والعمل للخير، يقف إلى جانب الناس ويُساعد العجائز، يزرع البسمة في البيوت، ويخفف الألم عمّن حوله.كم نريد أن نتعلم منه ونمشي على خطاه، أن نتعلم الصبر والعطاء دون انتظار مقابل، وأن نكون كما كان مصدر دفء وعون لكل محتاج. رحيله ترك فراغًا لا يملأه أحد، لكنه أيضًا ترك درسًا عظيمًا: أن الخير والحب يمكن أن يعيشا حتى بعد الفقد.
” اللهم احفظ أحبتنا واجمعنا معهم في الفردوس الأعلى
وامنحنا الصبر على فراقهم واجعل ذكراهم نورًا لنا في حياتنا. وعلمنا أن نكمل طريق الخير كما علّمونا“


