مقالات

أ.د. لطفي منصور قِرَى الضَّيْفِ

الضِّيافَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ لُبابِ عاداتِهِمْ. سارُوا عَلَيْها مُنْذُ وُجُودِهِمْ الْقَدِيمِ. وَمَنْ مِنَّا لا يَذْكُُرُ قِصَّةَ ضَيْفِ إبْراهِيمَ الَّتي وَرَدَتْ في الْقُرْآنِ الْكَرِيم (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، هود ٦٩) أيْ مَشْوِيٍّ دَلالَةً عَلَى السَّخاءِ وَالْكَرَمِ.
عَنْ عائِشَةَ: “كانَ النَّبِيُّ في رَمَضانَ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ”.
وَجاءَ في الْقُرْآنِ أَيْضًا: “وَيُطْعِمُونَ الطّعامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا”
نَزَلَتْ في الْأَبْرار الّذينَ كانُوا يُطْعِمونَ الْمُحْتاجِينَ بِالرَّغْمِ مِنْ حاجَتِهِمْ إلى هذا الطَّعام.
“عَلَى حُبِّهِ” شِبْهُ جُمْلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِحالٍ مَحْذوفَةٍ متَقْدِيرُها مُحِبِّينَ لَهُ، وَهَذا قِمَّةُ الْكَرَمِ أَنْ يُؤْثِرَ الْمَرْءُ الْمُحْتاجِينَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُحْتاجَةِ.
الْقِرَى بِكَسْرِ الْقافِ، هُوَ ما يُقَدَّمُ إلى الضَّيْفِ مِنَ الطَّعامِ. نَقولُ: قَرَى الضَّيْفَ يَقْرِيهِ قَرْيًا وَقِرًى، أَيْ قَدَّمَ لَهُ طَعامًا وَحِمايَة.
وَلَعَلَّ الْقِرَى مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَرَا وَهُوَ الظَّهْرُ وَالسَّنَدُ.
وَالْكَرَمُ أَحَدُ أَرْكانِ الْمُُرُوءَةِ. وَهِيَ نَهْجٌ خُلُقِيٌّ لَمْ تَعْرِفِ الْبَشَرِيَّةُ لَهُ مَثِيلًا. وَتُعْتَبَرُ مِنَ الْقِيَمِ الْإسْلامِيَّةِ الْعُلْيا، وَمِنْ أُصُولِ الدِّينِ .
وَالرُّكْنُ الثّانِي الْوَفاءُ وَصِيانَةُ الْعَهْدِ، وَحِفْظُ الْأَمانَةِ وَالشَّرَف كَما قالَ شاعِرُهُمْ: الطَّويل
وَإنْ جارَتِي أَلْوَتْ رِياحٌ بِبَيْتِها
تَغافَلْتُ حَتَّى يَسْتُرَ الْبَيْتَ جانِبُهْ
وَالرُّكْنُ الثّالِثُ الشَّجاعَةُ والْإقْدامُ وَعَدَمُ خِذْلانِ الصّاحِبِ
وَقَدٍ قِيلَ في تِلْكُمُ الْأَغْراضِ شِعْرٌ جاهِلِيٌّ كَثِيرٌ حَفِظَتْهُ لَنا مُوَسَّعاتِ الْأدَبِ الْمَنْثور. وَيَكْفي أنْ أُشِيرَ إلَى كِتابٍ بِتَحْقيقِنا وَدِراسَتِنا هُوَ “سُرورُ الصَّبا والشَّمول لِلطّالَوِي (ت: ١٧٠٥م) فَفيهِ غايَةُ كُلِّ قارِئٍ لِذَلِكُمُ الْأَدَبِ.
وَبَيْنَ يَدَيَّ قَصِيدَةٌ لِلْحُطَيْئَةِ مِنَ الشِّعْرِ الْقَصَصِي النّادِرِ تَصِفُ الضِّيافَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ، والتَّمَسُّكَ بِها، وَحَيْرَةَ الْمُضِيفِ وَوَلَدِهِ عِنْدَما رّأَيا مِنْ بَعِيدٍ ضَيْفًا قادِمًا إلَيْهِم، وَهُمْ لا يَمْلِكُونَ قِرًى لِلضَّيْفِ. وَكَيْفَ ألَحَ الِابْنُ عَلَى أَبيهِ أَنْ يَذْبَحَهُ وَيُقَدِّمَ مِنْ لَحْمِهِ طَعامًا لِضَيْفِهِ، ثُمَّ نُزُولُ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَكَيْفَ نَجا الْوَلَدُ مِمّا يُذَكِّرُنا بِقِصَّةِ ذَبيحِ إبْراهيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هَذِهِ الْقَصِيدَةُ في دِيوانِ الْحُطَيْئَةِ رِوايَةِ ابْنِ السِّكِّيت. وَهِيَ عَلَى بَحْرِ الطَّويل
– وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ الْبَطْنِ مُرْمِلٍ
بِتَيْهاءَ لَمْ يَعْرِفْ بِها ساكِنٌ رَسْما
(الطّاوي الْجائِعُ يَنْطَوي بَطْنُهُ، ثَلاثَ أيْ ثَلاثُ لَيالٍ ، الْمُرْمِلُ: الْمُحْتاجُ، كانُوا يَعْصِبُونَ بُطُونَهُمٍ بِالْخِرَقِ مِنَ الْجُوعِ ، التَّيْهاءُ: الصَّحْرَاءُ يَتوهُ فيها الْإنْسانُ لِاتِّساعِها، الرَّسْمُ: الْأثَرُ
-أَخي جَفْوَةٍ فِيهِ مِنَ الْأُنْسُ وَحْشَةٌ
يَرَى الْبُؤْسَ مِنْ شَراسَتِهِ نُعْمَى
(هذا الطّاوِي أَقْرَبُ إلى التَّوَحُشِ مِنٍهُ إلى الْأُنْس)
– تَفَرَّدَ في شِعْبٍ عَجوزٌ إزاءَها
ثَلاثَةُ أَشْباحٍ تَخالُهُمُ بُهْما
(العَجُوزُ زَوْجَةُ هذا الطّاوِي. وَكَلِمَةُ عَجوزٍ لا تُقالُ إلّا لِلْمَرْأَةِ، أَمَّا الرَّجُلُ فَشَيْخٌ. وَفي الْقُرْآنِ :
“أَأَلِدُ وَأَنا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا”. وَلِكَلِمَةِ عَجُوزٍ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ مَعْنًى. الْبُهْمُ: صِغارُ الضَّأْنِ)
-حُفاةً عُراةً ما اغْتَذَوْا خُبْزَ مَلَّةٍ
وَلا عَرَفُوا لِلْبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْمَا
(الْمَلَّةُ: الرَّمادُ فِيهِ الْجَمْرُ، وَخُبْزُ الْمَلَّةِ ما يُخْبَزُ فِيهِ، الْبُرُّ : الْقَمْحُ.
– رَأَى شَبَحًا وَسْطَ الظَّلامِ فَراعَهُ
فَلَمّا بَدا ضَيْفًا تَحَيَّرَ وَاهْتَمّا
(في رِوايَةٍ تَسَوَّرَ أيْ فَرِحَ بَدَلَ تَحَيَّرَ وَهِيَ مُنافِيَةٌ لِلسِّياقِ)
– فَقالَ ابْنُهُ لَمّا رَآهُ بِحَيْرَةٍ
أَيا أَبَتِ اذْبَحْنِي وَيَسِّرْ لَهُ طُْعْمَا
– وَلا تَعْتَذِرْ بِالْعُدْمِ عَلَّ الَّذِي طَرا
يَظُنُّ لَنا مالًا فَيوسِعَنا ذَمّا
(الْعُدْمُ: الْفَقْرُ، طَرَا: أَصْلُها طَرَأَ أي حَدَثَ وَحَصَلَ، خَفَّفَ الْهَمْزَةَ ضَرورَةً)
– تَرَوَّى قَليلًا ثُمَّ أَحْجَمَ بُرْهَةً
وَإنْ هُوَ لَمْ يَذْبَحْ فَتاهُ فَقَدْ هَمّا
(تَمامًا كَما هَمَّ إبْراهيمُ. وَما فَعَلَهُ هذا الْبَدَوِيُّ جُنونُ الْكَرَمِ كما قالَ الشَّاعِرُ:
وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غايَةِ الْجُودِ)
– وَقالَ هَيا رَبّاهُ ضَيْفٌ وَلا قِرًى
بِحَقِّكَ لا تُحْرِمْهُ تَاللَّيْلَةِ اللَّحْما
– فَبَيْنا هُما عَنَتْ عَلَى الْبُعْدِ عانَةٌ
قَدِ انْتَظَمَتْ مِنْ خَلْفِ مِسْحَلِها نَظْما
(عَنَتْ: عَرَضَتْ، الْعانَةُ: الْقَطيعُ مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ، الْمِسْحَل: حِمارُ الْوَحْشِ)
– فَأَمْهَلَها حَتَّى تَرَوَّتْ عِطاشُها
فَأَرْسَلَ فيها مِنْ كِنانَتِهِ سَهْمَا
– فَخَرَّتْ نَحُوصٌ ذاتُ جَحْشٍ سَمِينَةٌ
قَدِ اكْتَنَزَتْ لَحْمًا وَطَبَّقَتْ شَحْمَا
(خَرَّتْ: سَقَطَتْ، نَحُوصٌ: سمينَةٌ فَتِيَّةٌ، ذاتُ جَحْشٍ: شابَّةٌ، طَبَّقَتْ: امْتَلَأَتْ)
– فَيا بِشْرَهُ لَمّا جَرَّها نَحْوَ أَهْلِهِ
وَيا بِشْرَهُمْ لَمَّا رَأَوْا كَلْمَهَى يَدْمَى
(كَلْمَهَى: جَْحُها)
– فَباتُوا كِرامًا قَدْ قَضَوْا حَقَّ ضَيْفِهِمْ
فَلَمْ يَغْرُمُوا غُرْمًا وَقَدْ غَنِمُوا غُنْمَا
– وَباتَ أَبُوهُمْ مِنْ بَشاشَتِهِ أَبًا
لِضَيْفِهِمُ وَالْأُمُّ مِنْ بِشْرِها أُمَّا
تَمَّتْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق