الحظر على حزب “كوكروش جانتا” الساخر وأبعاد الحراك الرقمي لجيل الشباب في الهند
بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

شهدت الأوساط الرقمية والسياسية داخل الهند مؤخراً موجة عارمة من الجدل والتحليل، إثر إقدام الجهات المختصة على حظر وإغلاق الحساب الرسمي التابع لحزب “كوكروش / الصرصور جانتا” على منصة التواصل الاجتماعي إكس، تويتر سابقاً، داخل الأراضي الهندية. ولم يكن هذا الإجراء الصارم بحق تيار سياسي فكاهي ناشئ بالأمر العادي، إذ جاءت عملية الإغلاق استجابة لطلب قانوني رسمي تقدمت به السلطات، وهو ما أثار دهشة المتابعين نظراً لأن هذا الحساب الرقمي لم يكن قد مضى على تدشينه وتأسيسه سوى أربعة أيام فقط من تاريخ انطلاقه. وتوضح المؤشرات أن هذه الحركة الشبابية قد استلهمت اسمها وبنيتها الهيكلية التهكمية من التلاعب اللفظي والتشابه الاسمي مع الحزب الحاكم في البلاد، حزب بهاراتيا جانتا، لتتحول في فترة وجيزة لا تتعدى الأيام إلى ظاهرة رقمية واسعة النطاق استغلت حالة الإحباط المتنامية بين فئات الشباب الهندي وصاغتها في قالب من الفكاهة السوداء الموجهة ضد الأوضاع الراهنة.
وتعود الجذور الأولى لتأسيس هذه الحركة الرقمية الساخرة إلى منتصف شهر مايو، حينما أطلقها طالب هندي يدرس في جامعة بوسطن يُدعى أبهيجيت ديبكي، وذلك كرد فعل احتجاجي مباشر على تصريحات مثيرة للجدل نُسِبت إلى أحد قضاة المحكمة العليا أثناء نظره في إحدى القضايا، حيث وُصِف الشباب العاطلون عن العمل بعبارات اعتبرها الكثيرون مهينة مثل الصراصير والطفيليات. ورداً على هذه التوصيفات الفوقية، قرر ديبكي تحويل الإهانة إلى رمز للمقاومة الرقمية الساخرة، مطلقاً تدوينته الأولى التي تساءل فيها بتهكم عما يمكن أن يحدث لو اتحدت كل الصراصير معاً، ليتشكل من ذلك السؤال حجر الأساس لحراك اجتذب مئات الآلاف من الشباب الذين وجدوا في هذا الرمز الساخر تعبيراً بليغاً عن واقعهم المعيشي وتطلعاتهم المهملة.
ولم يتوقف طموح الحركة عند التدوين العابر، بل حقق الحزب منذ الساعات الأولى لإطلاقه طفرة رقمية هائلة تفوقت على تقديرات الخبراء، حيث تمكن الحساب الرسمي للحزب على منصة إنستغرام من تحقيق معدل نمو قياسي غير مسبوق في تاريخ المنصات الرقمية بجذبه لأكثر من ثلاثة عشر مليون متابع في غضون أيام قليل، وتشير بعض التقارير الإحصائية إلى أن العدد الفعلي للمتابعين قارب أربعة عشر مليوناً، ليتجاوز بذلك حساب الحزب الساخر الأرقام الرسمية لحزب بهاراتيا جانتا الحاكم الذي يقف عند حدود ثمانية ملايين ونصف المليون متابع، وهو إنجاز تضاعف بريقه كون الحساب الساخر حققه عبر نشر بضع عشرات من المنشورات التعبيرية فقط. ولم يقتصر التفاعل على مجرد متابعة الحسابات الرقمية، بل امتد ليشمل رغبة حقيقية في الانتماء الشرفي لهذه الحركة، حيث قام مئات الآلاف من الأشخاص بتسجيل بياناتهم والتوقيع في استمارة طلب العضوية الإلكترونية المتاحة عبر الإنترنت، مما جعل منشورات الحزب والصور التعبيرية الساخرة المعروفة بالـ ميمز تنتشر كالنار في الهشيم ملامسة القضايا الحساسة التي تؤرق جيل الشباب الجديد مثل أزمة البطالة المتفاقمة، وفضيحة تسريب أوراق امتحانات دخول كليات الطب، والأزمات البنيوية في القطاعين التعليمي والمهني، فضلاً عن حالة الإحباط العام من التضييق على الحريات الأساسية والتعبير عن الرأي.
ورغم الطابع الهزلي والفكاهي المستتر للحزب، إلا أنه طرح بياناً انتخابياً موازياً تضمن حزمة من المطالب السياسية والاجتماعية الجادة التي صيغت بأسلوب تهكمي رصين، حيث تضمن البيان المطالبة بتمكين المرأة عبر النص على تخصيص حصة إلزامية لا تقل عن نصف المقاعد للنساء في الحقائب الوزارية وتشكيل الحكومة، مع فرض حظر صارم ومشدد على أعضاء البرلمان والمجالس المحلية الذين يقومون بتغيير انتماءاتهم الحزبية بعد الفوز ومنعهم من الترشح لأي انتخابات قادمة لمدة عشرين عاماً كعقوبة على الانتهازية السياسية. كما شمل البيان بنوداً تطالب بضمان استقلالية القضاء عبر حظر تعيين قضاة المحكمة العليا في مجلس الولايات بعد تقاعدهم منعا لوجود مصالح متبادلة مع السلطة التنفيذية، وفتح تحقيقات موسعة وشاملة في الحسابات المصرفية ومصادر تمويل ما يُعرف بوسائل الإعلام الموالية للحكومة، وإجراء تحقيقات دقيقة ومستقلة في الشكاوى المتعلقة بشطب وإلغاء أصوات الناخبين من الجداول الانتخابية بشكل غير قانوني.
وفي نهاية المطاف، يعلن الحزب بوضوح عبر منصاته المتبقية أنه يتبنى شعاراً فلسفياً يرتكز على قيم العلمانية والاشتراكية والديمقراطية المقترنة بالكسل، مؤكداً للجمهور والجهات السيادية على السواء أن هذا الكيان ليس حزباً سياسياً حقيقياً يهدف للوصول إلى السلطة، وإنما هو مجرد حراك فكاهي تضامني وحركة ساخرة تهدف إلى تسليط الضوء على الأزمات المجتمعية الحقيقية بأسلوب العصر الرقمي. وفي أول تعليق له عقب صدور قرار الحظر، أوضح مؤسس الحراك أبهيجيت ديبكي أن إغلاق الحساب على منصة إكس لم يكن مفاجئاً بل كان خطوة متوقعة تماماً نظراً للتأثير السريع والواسع الذي أحدثته الحركة، مشيراً إلى أن الحسابات قد تعرضت بالفعل لعدة محاولات اختراق إلكترونية في الأيام السابقة، ومؤكداً أن الحركة مستمرة وبقوة في بث موادها عبر منصة إنستغرام التي لا تزال نشطة، معتبراً أن لجوء السلطات إلى حظر الحساب يمثل في حد ذاته شهادة نجاح للحركة ودليلاً قاطعاً على المخاوف والهواجس السياسية التي باتت تقلق الحزب الحاكم من تنامي الوعي والتهكم الرقمي لدى جيل الشباب.



