الرئيسيةمقالات

قراءة نقدية علمية في كتاب الأدب العربي في النرويج بين التوثيق والانتقائية

الأكاديمي والإعلامي د. علي موسى الموسوي الكاتب والإعلامي د. علي موسى الموسوي

كتاب الأدب العربي في النرويج للمؤلف د. محمد حسين معلم علي يحمل بين دفتيه دراسة مميزة في الحضور الثقافي والأدبي العربي داخل المجتمع النرويجي يتناول الكتاب هذه الظاهرة بوصفها تجسيداً حيّاً للإبداع الأدبي العربي في المهجر حيث تنصهر الذكريات والهويات في بوتقة التجدد الثقافي والحرية ولقد قدم المؤلف قراءة وصفية لعوالم الأدب العربي في هذا السياق مسلطاً الضوء على جوانب الهجرة التي أثرت في تشكيل الهوية الأدبية من منظور متعدد الزوايا ومع ذلك عندما نقف أمام هذا الكتاب بعين الناقد الأدبي المتخصص نجد أن العمل بحاجة إلى مقاربة أكثر شمولية وموضوعية لتغطية كافة أبعاد هذا الحضور الثقافي ومن أبرز النقاط التي تُحسب للكتاب هي اعتماده على منهج توثيقي يعكس تفاعل الأدب العربي مع البيئة النرويجية الجديدة حيث يُبرز علاقته بالفرد وصراعه مع الذات وتأرجحه بين مشاعر الحنين للوطن ومتطلبات الاندماج في مجتمع متعدد الثقافات وهذا يتجلى بشكل واضح من خلال تسليط الضوء على الشعر والنثر والترجمة بوصفها أدوات رئيسية للتعبير مما أضفى عمقاً إنسانياً على النص وربطه بتجربة الهجرة وصراع الهوية واهتمام المؤلف بمدينة أوسلو وما حولها باعتبارها مركزاً ثقافياً عربياً حيوياً كان اختياراً موفقاً إذ إنها تشكل نموذجاً مصغراً للالتقاء والتفاعل بين المختلفين ثقافياً ويمكننا أن نرى في الكتاب محاولة للتعريف بالدور المهم الذي تلعبه المنتديات الثقافية والمؤسسات الاجتماعية العربية في ترسيخ حضور الثقافة العربية داخل النرويج.

لكن بالرغم من هذه الإيجابيات التي لا يمكن إنكارها يظل الكتاب مثار تساؤل من الناحية النقدية المتعلقة بشموليته ومنهجيته حيث تظهر بعض النقاط المثيرة للإشكال فقد أهمل المؤلف تناول العديد من الشخصيات العربية الأدبية والفنية التي كان لها أثر واضح على مشهد الثقافة العربية في النرويج وهو ما يفتح السؤال حول الانتقائية التي ميزت الكتاب وكان من المفترض أن يلقي المؤلف الضوء على تجارب أوسع وأكثر شمولية لتشمل الشخصيات والمؤسسات التي كانت ركيزة أساسية للحراك الثقافي في مختلف أنواع الفنون والآداب وعدم تناول هذه الزوايا يُشعر القارئ العارف بالمشهد الثقافي العربي في النرويج بنقص كبير في تقديم صورة مكتملة لهذا الحراك وكما يبدو أن المؤلف وقع في بعض الأحيان في فخ المجاملة عند طرحه لبعض الأحداث أو الشخصيات دون تقديم نقد تحليلي عميق أو تفسيرات موضوعية تتماشى مع النقاش الأكاديمي وفي هذا الإطار فإن غياب التوازن بين العاطفة النقدية والتحليل الموضوعي أدى إلى ضعف بعض جوانب المحتوى مما ينتقص من قيمة الكتاب كمصدر علمي دقيق وموثق وبالنظر إلى المنهج الذي تبناه المؤلف يمكن القول إنه أخفق نسبياً في تحقيق التوازن بين التصور النظري والحس الوثائقي العملي وبالتالي لم ينجح تماماً في تقديم العمل كمرجع شامل للباحثين والمتخصصين وكان على المؤلف أن يكون أكثر حرصاً في اختيار المادة التي يقدمها وأن يتجنب تجاهل العناصر التي كان لها تأثير جوهري وأن يبتعد عن الاستعراض الجزئي الذي قد يعطي انطباعاً محدوداً عن المشهد الثقافي.

وفي إطار استعراضنا النقدي الشامل للكتاب لابد من الإشارة إلى المأخذ الأكبر عليه والمتعلق بعدم العمل على استقطاب أصوات متباينة من المبدعين العرب الذين عاشوا تجربة الهجرة للنرويج وتفاعلوا مع بيئتها وتحليل أعمالهم لجعل الكتاب مصدراً موثقاً بالمعنى الأكاديمي الدقيق مثل هذا الاستقصاء كان ليمنح الكتاب صفة المرجعية في توثيق تجربة الهجرة الثقافية العربية بدلًا من الاكتفاء بانتقاء شخصيات ومؤسسات محددة دون توضيح أسباب تلك الاختيارات ومع ذلك ليس من الإنصاف أن نجرد الكتاب من قيمته أو نُسقط أهميته تماماً فهو يمثل خطوة مهمة وأساسية نحو تسليط الضوء على الأدب العربي خارج حدود الوطن الأم وعلاقته بموجات الهجرة في إطار مجتمع متعدد الهويات وإن مجرد تخصيص عمل لهذا المجال يُعد إضافة نوعية للأدب العربي المهاجر ويعكس أهمية دراسة تلك العلاقات المعقدة بين الهويات الثقافية المتشابكة
ويمكن القول إن الكتاب يفتح المجال لفهم أكثر عمقاً لتفاعل الكاتب العربي مع بيئته الجديدة وكيفية التناغم بين انتمائه الثقافي ومتطلبات الحياة في مجتمع متعدد الثقافات ولكنه يظل بحاجة إلى مزيد من العناية باستعراض المشهد الأدبي ككل دون إقصاء أو تجاهل أي من عناصره الهامة التوفيق للمؤلف في مساعيه المستقبلية كان وما يزال أمراً ضرورياً لإنجاز عمل أكثر شمولاً ونضجاً يحقق هدف التوثيق الكامل والمتوازن لهذه الظاهرة الأدبية الفريدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى